فهرس الكتاب
ولا يُجزئ إخراج القيمة بدلًا من الطعام فيها لأنه خلاف هدي النبي صلى الله عليه وسلم وأمره ما كان عليه الصحابة، وفي إخراجها قيمة إخفاء لها وإضعاف لشأنها، وهذا مذهب جماهير العلماء، وقد سُئل أحمد رحمه الله عن إخراجها دراهم فقال: أخاف ألا يجزئه خلاف سنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولمّا قيل له: إن عمر بن عبد العزيز كان يأخذ القيمة، قال: يَدعون قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقولون: قال فلان؟!.
قال ابن عمر: فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال الله تعالى: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} [النساء: 59] ، وقال: قومٌ يردّون السنة؟ قال فلان وقال فلان!! [1] .
وكل هذا آية منه على إنكاره للقيمة وعدم إجزائها عنده، والله أعلم.
والقيمة لا تجزئ نصُّ ظاهرُ ... وهو الذي قد قاله الجماهرُ
وإنه المنهج للصحابة ... مَن مثلُهم في الفهم والنجابة
وأحمد أنكرها إنكارا ... وزادَ مِن إنكاره إشهارا
بأنهم قد خالفوا الرسولا ... وعارضوا المنصوصَ والمنقولا
بقولهم قد قاله فلانُ ... كأنه الدليل والبرهانُ
ويبتدئ وقت وجوبها بغروب شمس آخر يوم من رمضان، فمن تزوج أو وُلد له أو أسلم قبل الغروب فعليه الزكاة، وإن كان بعد الغروب لم تلزمه.
ويُستحب إخراجها عن الجنين لفعل الخليفة الراشد المهدي عثمان ابن عفان رضي الله عنه ولا تجب عليه في قول أكثر أهل العلم.
وأما وقت إخراجها فالأفضل المستحب أن تؤدَّي قبل خروج الناس إلى الصلاة لحديث ابن عمر في الصحيحين وسنن أبي داود والنسائي قال: (أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بزكاة الفطر قبل خروج الناس إلى الصلاة) [2] .
وقد بوّب له النسائي بقوله: (باب الوقت الذي يستحب أن تؤدَّى زكاة الفطر فيه"، وقد أخرج عيسى الترمذي هذا الحديث وقال عقيبه:"وهو الذي يستحبه أهل العلم: أن يخرج الرجل صدقة الفطر قبل الغدوّ إلى الصلاة" [3] ."
ولا بأس بأدائها قبل العيد بيوم أو يومين لما رواه البخاري في صحيحه عن ابن عمر"كان يعطيها الذين يقبلونها، وكانوا يُعطَون قبل الفطر بيوم أو يومين" [4] .
ولا يجوز تأخيرها عن صلاة العيد لغير عذر فإن أخّرها فهي صدقة من الصدقات لما رواه بسندٍ حسن كما قال النووي في المجموع [5] . عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر طُهرة للصائم من اللغو والرفث وطُعمة للمساكين، فمَن أدّاها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أدّاها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات) [6] .
وفي قوله"(وطُعمة للمساكين"نصٌّ صريح على أنها خاصة بالمساكين وال تُعطى لغيرهم من أصناف أهل الزكاة الثمانية، وهذا قول ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله تعالى، ومَن كان فقيرًا لا يجد قوت يومه وليلته سقطَت في حقه.
قال الشيخ حافظ الحكمي رحمه الله:
ومَن لِقُوت يومه وليلتهْ ... يُفقدُ عنه سقطَت لِعَيلته
{29} ودَاع رمضان
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [الحشر: 18] .
أيها الصائمون:
إن شهركم المبارك قد قرب رحيله ودنا أفوله، فاختموه بخير ختام واستغفروا ربكم من كل خلل وتقصير فيه.
قال الحسن البصري رحمه الله:"أكثِروا من الاستغفار فإنكم لا تدرون متى تنزل الرحمة"، وقال لقمان لابنه: (يا بنيّ عوّد لسانك الاستغفار فإن لله ساعات لا يردّ فيهنّ سائلًا) ، وقد جمع الله تعالى بين التوحيد والاستغفار في قوله تعالى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ} [محمد: 19] .
وفي بعض الآثار أن إبليس قال: أهلكتُ الناس بالذنوب وأهلكُوني بلا إله إلا الله والاستغفار. والاستغفار ختام الأعمال الصالحة كلها، فتُختم به الصلاة والحج وقيام الليل، ويُختم به المجالس، فإن كانت ذِكرًا كان كالطابع عليها، وإن كانت لغوًا كان كفارة لها، فكذلك ينبغي أن يُختم صيام رمضان بالاستغفار.
(1) انظر المغني (4/ 295) .
(2) البخاري (1509) ، ومسلم (986) ، وأبو داود (1610) .
(3) سنن الترمذي (3/ 62) [677] .
(4) البخاري (1511) .
(5) المجموع (6/ 126) .
(6) أبو داود (1609) .