الصفحة 69 من 75

وهنا حديث رواه أبو داود في سننه وهو صحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا سمع أحُدكم النداء والإناء على يده فلا يضعه حتى يقضي حاجته منه) [1] ، وهو مما تنازع العلماء في تحرير معناه، فقد قال أبو بكر البيهقي رحمه الله: هو محمول عند عوام أهل العلم أنه صلى الله عليه وسلم علم أنه المنادي كان ينادي قبل طلوع الفجر بحيث يقع شربه قبيل طلوع الفجر انتهى [2] .

وقال بعضهم: هذا إذا لم يعلم طلوع الصبح، أما إذا علم أنه قد طلع أو شكّ فيه فلا، وقيل: إنه محمول على قول من اعتبر في المنع عن الأكل والشرب تبيُّن الفجر لا طلوعه [3] .

وألمح بعضهم إلى أن هذا رخصة وتيسير من الله ورسوله، وهذا اختيار الشيخ المحدث أحمد شاكر ـ رحمه الله ـ فقد صحح الحديث في تعليقه على المسند وفيه زيادة مهمة توهن ما قاله البيهقي وهي:"وكان المؤذن يؤذن إذا بزغ الفجر".

4 -ليعلم الإخوة الصائمون أن وقت السحور، وقت عظيم مبارك، خليق بالمسلم عمارته بالذكر والصلاة والاستغفار، فليس محلًا للتكثُر من المآكل والمشارب، أو التوسع في أحاديث عديمة النفع، يطول وقتها، ويعظم شرّها، وهي علامة غفلة وتهاون وضياع.

والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.

{28} زكاة الفِطر

أيّها الإخوة الكرام:

زكاة الفطر طهرة الصائمين وطعمة المساكين، وغُنية المحتاجين، وهي سلوة الصدر وختام مسك الشهر، يصبح المسلم بأدائها سمير البذل والندى بعيدًا عن البخل واللؤم، قد ارتدى جلباب الخير والسماحة وتحلّي بزينة الوفاء والصباحة، بذل الصدقة ابتغاء الأجر والرحمة، وطلب النقاء والطهرة، وإطعام الفقراء والضعفة، وشكر الرب تعالى على الطاعة والقُربة.

للمؤمن الصائم بهذه الزكاة أجمل حِلية، وأفضل زينة، يمحو بها عواقب اللغو والزلل، وقد كتب عمر بن عبد العزيز إلى الأمصار يأمرهم بختم شهر رمضان بالاستغفار والصدقة صدقة الفطر، فإن صدقة الفطر طُهرة للصائم من اللغو والرفث، ولهذا قال بعضهم: صدقة الفطر للصائم كسجدتي السهو للصلاة.

أيها الصُّوّام:

قال تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى} [الأعلى: 14] قال سعيد بن المسيب وعمر بن عبد العزيز: المراد زكاة الفطر، وهي قدرٌ يسير مفروض على كل مسلم، وقد حُكي الإجماع على فرضيتها، قال ابن المنذر رحمه الله: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن صدقة الفطر فرض، وقال إسحاق: هو كالإجماع من

أهل العلم [4] .

وادُّعِي الخلاف من بعض متأخّري أصحاب مالك ودواد، ولا التفات إليه لِما رواه الشيخان في كتابيهما عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: (فرَض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر من تمر أو صاعًا من شعير على العبد والحرّ، والذكر والأنثى، والصغير والكبير من المسلمين) [5] .

والقدر الواجب في زكاة الفطر صاع عن كل إنسان، ولا يُجزئ أقل من ذلك من جميع أجناس المُخرَج، وذهب بعض السلف كعثمان ومعاوية وغيرهما وهو قول الحنفية إلى إجزاء نصف صاع من البُرّ خاصةً [6] ، والأحوط القول الأول.

وقدرها بالنص والإجماعِ ... عن كل واحدٍ وجوب صاع

من غير حنطةٍ وفيها الخُلفُ ... قيل كغيرها وقيل النصفُ

أما الأصناف التي تُخرَجُ منها صدقة الفطر فقد ثبت في الصحيحين عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: (كنا نخرج زكاة الفطر صاعًا من طعام أو صاعًا من شعير أو صاعًا من تمر أو صاعًا من أقِط، أو صاعًا من زبيب) [7] .

وظاهر مذهب الحنابلة: أنه لا يجوز العُدول عن هذه الأصناف مع القدرة عليها [8] .

وقال مالك وبعض فقهاء الشافعية: يُخرج من غالب قوت البلد [9] . وهذا هو المعتمد في هذه المسألة، لأن الأصناف المذكورة تحكي حالهم زمن النبي صلى الله عليه وسلم وليس هناك ما يدل على تحتّم الإخراج منها.

ولهذا روى ابن خزيمة في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: (صدقة رمضان صاع من طعام، مَن جاء يِبُرٍّ قُبل منه، ومَن جاء بشعير قُبل منه، ومَن جاء بتمر قُبل منه، ومَن جاء بسلت قُبل منه، ومَن جاء بزبيبٍ قُبل منه ... الحديث) [10] والسّلت: نوع من الشعير، ولهذا كانت ترجمة ابن خزيمة رحمه الله في صحيحه سديدة فقد قال:"باب إخراج جميع الأطعمة في صدقة الفطر" [11] .

والخلاصة أن زكاة الفطر تخرج من قوت البلد صاعًا أيًا كان هذا القوت.

(1) أبو داود (2350) .

(2) سنن البيهقي الكبرى (4/ 218) .

(3) بذل المجهود (11/ 152) .

(4) انظر المغني (4/ 281) .

(5) البخاري (1504) ، ومسلم (984) .

(6) المغني (4/ 285) .

(7) البخاري (1506) ، ومسلم (985) .

(8) انظر المغني (4/ 292) .

(9) مواهب الجليل (3/ 261) .

(10) انظر صحيح ابن خزيمة (4/ 89) .

(11) المصدر السابق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت