فهرس الكتاب
وإنما وقفت هذه الموعظة حول السحور لعِظم الأحاديث الواردة وفرتها فيه، بل في بعضها الأمر به والتأكيد عليه، وكلها براهين وحجج على فضله واستحبابه، قال الحافظ في الفتح: وق نقل ابن المنذر الإجماع على ندبية السحور [1] .
فمن فضائل هذا الطعام المبارك ما يأتي:
أولًا: أن فيه خيرًا وبركة ونفعًا للعباد، ويدل لهذا ما ثبت في المتفق عليه وأخرجه البخاري في كتاب الصيام باب بركة السحور من غير إيجاب عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (تَسحَّروا فإن في السّحور برَكة) [2] وقد فُسّرَت البركة هنا بتفاسير عّدة:
فبضمّ السين في السحور تكون البركة الأجر والثواب لأنه مصدر بمعنى التسحُّر، وبالفتح تكون البركة أن يقوى على الصوم وينشط له، وتخف المشقة فيه لأنه ما يتسحّر به فالفتح أنسَب، وقيل: البركة ما يتضمن من الاستيقاظ والدعاء في السَّحَر.
قال الحافظ ابن حجر: والأولى أن البركة في السحور تحصل بجهات متعددة وهي اتّباع السنة ومخالفة أهل الكتاب والتقوّى به على العبادة، والزيادة في النشاط ومدافعة سوء الخلُق الذي يثيره الجوع، والتسبب بالصدقة على مَن يسأل إذ ذاك أو يجتمع معه على الأكل والتسبب للذكر والدعاء وقت مظنّة الإجابة وتدارُك نيّة الصوم لمن أغفلها قبل أن ينام [3] .
ثانيًا: أنه فارق بين صيامنا وصيام أهل الكتاب لما رواه أحمد في مسنده ومسلم في صحيحه عن عمرو بن العاص رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر) [4] .
قال أبو العباس القرطبي رحمه الله: وهذا الحديث يدل على أن السحور من خصائص هذه الأمّة، ومما خُفّف به عنهم [5] .
ثالثًا: أنه مظنّة مغفرة الله: لِما رواه أحمد عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (السحور بركة فلا تدَعوه ولو أن يجزع أحدكم جرعة من ماء، فإن الله وملائكته يصلّون على المتسحِّرين) [6] .
وأخرج ابن حبان آخره.
رابعًا: أنه طعام طيّب نافع مبارك لحديث العرباض بن سارية عند أبي داود بسندٍ صحيح قال: دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السحور في رمضان فقال: (هلمّ إلى الغداء المبارك) [7] .
مسائل في السّحور:
1 -يحصل السحور بأقل ما يتناول المرء من مأكول ومشروب للحديث السابق (ولو أن يجزع أحدكم جرعة من ماء) ولسعيد
بن منصور من طريق مرسلة (تسحرّوا ولو بلُقمة) وهل ورَد ما ينبغي جعله سحورًا؟ نعم، روى ابن حبان والبيهقي بسندٍ صحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (نِعمَ سحور المؤمن التمر) [8] .
2 -السنة في السحور تأخيره إلى ما قبل طلوع الفجر لأحاديث عديدة منها ما رواه أحمد عن العباس رضي الله عنه وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تزال أمّتي بخير ما عجّلوا الفطر وأخّروا السحور) [9] .
وإلى أي حدّ يكون التأخير بالنسبة لطلوع الفجر: ثبت في السنة ما يحدد ذلك فقد قال البخاري في صحيحه من كتاب الصيام باب كم بين السحور وصلاة الفجر ثم أسند إلى زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: (تسحّرْنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال إلى الصلاة، قلت: كم كان بين الآذان والسحور؟ قال: قدر خمسين آية) [10] .
قال الحافظ ف يالفتح: قوله"قدر خمسين آية"أي متوسطة لا طويلة ولا قصيرة، لا سريعة ولا بطيئة [11] .
3 -يجب على الصائم الإمساك عن الطعام والشراب إذا استبان طلوع الفجر، ولا عبرة بتوقيت المؤذن لأنه قد يتقدّم أو يتأخر، إلا إذا كان المؤذن أمينًا يقظًا حريصًا على إصابة أول الوقت فحينئذٍ يوثَق به ويُعتمد، قال صلى الله عليه وسلم: (المؤذَنون أمَناء المسلمين على فطرهم وسحورهم) وقد ذكره الشيخ المحدث الألباني ـ وفقه الله ـ في صحيح الجامع [12] وهو حديث حسن أخرجه الطبراني عن أبي محذوره.
وفي هذه الأيام درجَ المؤذّنون لا سيما في المدن على اعتبار التقويم التي تحدد مواقيت الصلاة، فهذه ليست قاطعة في دخول الوقت لكنها تقريبية فلا حرج لو أكل الإنسان مع المؤذّن الجاري على هذه التقاويم إلى دقيقة أو دقيقتين.
(1) فتح الباري (4/ 165) .
(2) البخاري (1923) ، ومسلم (1095) .
(3) فتح الباري (4/ 166) .
(4) أحمد (4/ 202) ومسلم (1096) .
(5) المفهم (3/ 156) .
(6) أحمد (3/ 12) وابن حبان (3467) .
(7) أحمد (4/ 126) وأبو داود (2344) .
(8) ابن حبان (3475) ، والبيهقي (4/ 136 - 137) .
(9) أحمد (5/ 147) .
(10) البخاري (1921) ، ومسلم (1097) .
(11) فتح الباري (4/ 164) .
(12) صحيح الجامع (6647) .