الصفحة 67 من 75

كم اشتاق الصائمون في الدنيا إلى الماء، وكم تحمّلوا وصبروا طاعةً لله عز وجل وامتثالًا لأمره، أما في الآخرة يوم النجاة والهلاك فكما قال تعالى: {كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الخَالِيَةِ} [الحاقة: 24] .

أخرج النسائي والترمذي والبغوي بسند حسن عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إنّ في الجنة بابًا يُقال له الريّان، فإذا كان يوم القيامة قيل: أين الصائمون؟ فإذا دخلوا أُغلق، فيشربون منه، فمَن شرب منه لا يظمأ أبدًا) [1] .

يا تُرى ماذا خُبّئ لعباد الله الصائمين في الريّان، إنه ثوابٌ وأي ثواب، ألاَ ترون أنهم إذا دخلوه أُغلق عليهم فلا يدخل معهم أحد، قال تعالى: {وَتِلْكَ الجَنَّةُ الَتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرةٌ مِّنْهَا تَأْكُلُونَ} [الزخرف: 72 - 73] .

وفي الحديث: قال صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى: (أعددتُ لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أُذُنٌ سمعت ولا خطر على قلب بشر) ، قال أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتُم: فَلاَ

تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة: 17] [2] .

يا أيها الصائمون:

الريّان ريّ وشفاء وعافية وغَناء، وسرور وهناء ّ.

يا أيها الصائمون الخاشعون:

إن الريان موعدكم ومنزلكم إن أنتم واظبتُم على طاعة ربكم، فأدّيتُم ما كُتب عليكم من الصيام على أحسن وجه وخير سبيل.

صُمتُم فأحسنتم، وأجملتم إذ عرفتم قدر الصوم فأكبرتموه، وأدركتُم حقه فصُنتوه، وحفظتم حرمته فأكملتموه.

يا أيها الصائمون:

إن الصيام من خير أعمالكم وأزكاها عند مليككم، وأنفعها لقلوبكم ونفوسكم فاستكثروا منه قبل السفر والرحيل وتزودّوا من الأعمال الصالحة، فهي نجاتكم وفوزكم وأُنسكم في ذلك اليوم الكبير {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا} [فصلت: 46] .

كل شيء مصيره للزوالِ ... غير ربّي وصالح الأعمال

يا معاشر الإخوان:

قد سنّ رسولكم صلى الله عليه وسلم نوافل من الصيام، فيها خيرات حِسان ورحمة وغفران، من ذلك صيام الستّ من شوال، وصوم المحرّم وشعبان وثلاثة أيام من كل شهر ويوم الاثنين والخميس ويومي عاشوراء وعرفة.

إن أهل هذه الأيام هم أصحاب الريان، لأنه لو كان الريان لِصائمي رمضان لاستوى جميع الناس في الفضل، وإنما الحديث يقصد مزيد التزوّد من الصيام بحيث يُعرَف العبدُ به، كما أشار بذلك الحافظ ابن حجر في الفتح [3] .

وإنه لتفريط وتقصير ألا يعرف العبد الصيام إلا في رمضان، فليس له يوم ولا يومان في الأسبوع أو في الشهر على الأقل، لأن الصوم عمل مبارك لا مثيل له ولا نديد، فينبغي للمسلم الإكثار منه لا سيما في هذه الأعصار التي سهل فيها شأن الصيام بما وُجد من سبل ترويح وتنفيس، فالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

يا صائمون:

إن الريّان باب في الجنة عظيم، تلك الجنة التي قال فيها تبارك وتعالى: {وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [الزخرف: 71] ، وقال تعالى: {إِنَّ المُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ يَلْبَسُونَ مِن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَقَابِلِينَ كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ} [الدخان: 51 - 55] .

بابٌ أُزلف للصائمين الأخيار الذين يبسَت شفاههم من طاعة الله، وظمأت أكبادهم حبًا لله، آثروا الخيرات على الشهوات، والباقيات على الفانيات، صبروا على ظمأ الدنيا لظمإ يوم كبير ونكال يوم عسير فيه يشربون ويطيبون ويظمأ آخرون ويكربون.

فاض ريّان الصائمين بلذائذ ومواهب امتنّ بها ربّهم تعالى عليهم، في جنّة أُكلها دائمٌ وظلّها، لا يذوقون فيه جوعًا ولا أسقامًا، ولا يعرفون غمًا ولا أوجاعًا، بل يغمرهم النعيم والسرور واللذة والحبور.

{وَقَالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ المُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ لاَ يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلاَ يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ} [فاطر: 34 - 35] .

{27} السَّحُور

في آخر ساعة من الليل، وقبل بزوغ الفجر والجو في سكون وهدوء، يتهيّأ المسلمون الصائمون لوجبة السحور، السنّة الطيبة والغذاء المبارك والطعمة المنتظَرة والزاد الأخير، سنّة رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم قولًا وعملًا، وفعله أصحابه معه وبعده.

(1) الترمذي (765) ، والنسائي (4/ 168) ، والبغوي (1709) .

(2) البخاري (4779) ، ومسلم (2824) .

(3) فتح الباري (7/ 35) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت