الصفحة 66 من 75

فاعلموا أن مدة الصيام والإمساك، تصفية للنفس المسلمة مما يكدّرها ويشوبها ويشينها، وهو تربية لها وتهذيب، وتوطئة لإدراك أنوار الحق والهدى والنور فتهنأ بخشية الله وتقواه التي هي أجلّ وأسمى ما يكون في الصيام، والله الموفق.

5 ـ همّة وحزم:

إن الله تبارك وتعالى لمّا فرض هذه الشعيرة المباركة، لم يخفف شيئًا من العبادات حالها، بل خلاف ذلك حضّ على المسارعة والمسابقة طرق كل صنوف البذل والسخاء حال الصيام، فترى العباد في رمضان يتسابقون ويتنافسون تنافسًا مذهلًا، حتى المقصرين قبل دخول الشهر ينعكس حالهم في رمضان إلى حال أفضل، إن مشاهدتنا لنفرة الناس إلى الخيرات في رمضان والْتماسهم أدنى مكرمة وفضيلة، مما يعلي الهمم ويشحذ النفوس

لا سيما عند الكُسالى المقصّرين.

فالعبد ينشط بنشاط إخوانه وجيرانه، فكيف بنشاط الأمّة كلها وحركتها وجدّها ومثابرتها، إن ذلك كله يهزم النفوس الضعيفة ويقتل الهمم الباردة، فلا يبقى لكَسولٍ مكان ولا للضعيف وزن ومقدار، فمن لم يكتسب الجدّ والحزم في رمضان وتعلُ همته وطموحه فمتى سيجدّ ويكبر ويحزم ويصبح عالي الهمّة كبير النفس عظيم القلب والروح؟!.

6 ـ المواساة:

هل تعلمون كم هو فرح الصائمين بمجيء الإفطار؟ إنه لعظيم عظيم، قال صلى الله عليه وسلم: (للصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربّه) ، النفوس تشرئبّ عندما تبدو حرارة الشمس تضعف عند الغروب ويبدأ ضوؤها يختفي وقرصها يزول، ولا غرو أن يفرح الصائمون بذلك لأنهم مجبولون على حبّ الطعام والشراب، لكن الفرح الحقيقي أن يفرحوا بإتمام هذه العبادة ويسألوا ربهم قبولها وثوابها والعفو عما قع فيها من خلل وتقصير.

عند مغيب الشمس تفطر الأمة المسلمة وتحمد الله على صومها وفطرها وتشكره على نعمائه وآلائه فهو أهل الثناء والمجد تبارك وتعالى.

وهي عند فطرها تعلم أن هناك ضَعَفة ومساكين لا يجدون طعامًا ولا شرابًا، وهناك فئات لا يجدون إلا شيئًا يسيرًا، فتسارع إلى نجدة إخوانهم المسلمين بالمال والطعام والكساء، ليس كل المسلمين يجدون طيّب الطعام وحلو الشراب، بل هناك محتاج ومعدوم ومنكوب وسقيم، وهم يحتاجون لصدقة ومعروف ومساعدته.

لذا أتى الحضّ الشديد على الصدقة في رمضان واستحباب تفطير الصائم لنيل الأجر والثواب وفي الحديث: (كان صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان) [1] من هذا وغيره يدرك الصائمون أهمية التصدّق ومواساة الآخرين بكل ما يملكون فيسارعون فيهم بالبذل والعطاء، لا سيما وأن الفقراء يبرزون في هذا الموسم لتلقف الصدقات والزكوات والمعونات.

{26} بابُ الرّيَّان

في الحديث عن سهل بن سعد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنّ في الجنة بابًا يُقال له الريّان يدخل منه الصائمون يوم القيامة لا يدخل منه أحد غيرهم، يقال: أين الصائمون؟ فيقومون، لا يدخل منه أحدٌ غيرهم فإذا دخلوا أُغلق فلم يدخل منه أحد) [2] . وفي المتفق عليه من أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (مَن أنفق زوجين في سبيل الله نُودي من أبواب الجنّة: يا عبد الله هذا خيرٌ فإن كان من أهل الصلاة دُعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دُعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصيام دُعي من باب الريّان، ومن كان من أهل الصدقة دُعي من باب الصدقة، فقال أبو بكر رضي الله عنه بأبي أنت وأمي يا رسول الله ما علي مَن دُعي من تلك الأبواب من ضرورة فهل يُدعي أحدٌ من تلك الأبواب كلها؟ قال: نعم وأرجو أن تكون منهم) [3] .

إن الصائم يعبد الله تعالى ويتقرّب إليه بصومه، فهو يكابد آلام الجوع والعطش، فهو يظمأ ويظمأ، ولولا أنه يراقب الله ويتقيه لتمنّى قطرة ماء يبلّ بها حلقه وتعيد إليه نشاطه وقوته.

وقد كان الصوام في مدة سحيقة وزمن مضى، يعانون من وقع الصوم عليهم بسبب صعوبة حياتهم وعدم توفر أسباب الراحة الموجودة في هذه الأيام، فكانوا أرباب عمل وصناعة في رمضان، وكانوا أهل سفر وتجارة حال الصيام، وحين كانت الأمّة شامخة عزيزة كانت تجاهد في رمضان فيحصل لهم بسبب ذلك شدة وبلاء ونصَب، يودّون مجيء الغروب، ثبت في الصحيحين من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه قال: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره في يومٍ حار حتى لَيضع الرجل يده على رأسه من شدة الحرّ وما فينا صائم إلا ما كان من النبي صلى الله عليه وسلم وعبد الله بن رواحة [4] .

ولقد أنعم الله تعالى على الصائمين وكافأهُم بأجر عظيم وثواب كبير، إذ جعل [الريّان] في الجنة مقرّهم ونزلهم ومثواهم، وهو مناسب لحالهم إذ فيه ينعمون ويشربون ويروون فلا يظمأ أحد منهم أبدًا.

(1) سبق تخريجه.

(2) البخاري (1896) ، ومسلم (1152) .

(3) البخاري (1897) ، ومسلم (1027) .

(4) البخاري (1945) ، ومسلم (1122) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت