الصفحة 65 من 75

ولعل صائمًا حال صيامه غدا إلى عمله وآخر إلى دكّانه وثالثًا إلى حرفته وصناعته كل واحد منهم يعمل ويكدح، ويغدو ويروح، وهم في ذلك كله صائمون، لقد وطّنوا أنفسهم على العمل والجدّ والنشاط حال الصوم فعظمت نفوسهم وتعلّمت وتربّت، وهنا درس آخر في الصوم وهو العمل والحركة، فالأشغال متنوعة والحاجات ماسّة والحقوق كثيرة، والناس يحتاج بعضهم لبعض، ولن يتم لهم خير ورزق ومعاش بلا عمل وبذل وجهد، {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} [الملك: 15] فغاية غدوّ الصائم ورواحه وصبره واجتهاده ذريعة لعدم تحسس آلام الجوع والظمأ، ونسيان أن يكون هناك تعب ونصَب، لذا ما أجمل حركة الناس وذهابهم وتنقلهم في رمضان وراء مصالحهم وحوائجهم، وما أقبحَ كسلهم ونومهم فيه أكثر من نصف النهار.

فرمضان ليس شهر كسل وعطل، ولا نوم وهزل كما يظنه كثير من الناس، فإن المسلمين الأوائل كانوا في رمضان أهل عمل وجهاد وجدّ ونضال، لم يمنعهم تعبهم وصومهم وشدائد حياتهم من العمل والبحث وطلب الرزق وطلب العمل، بل أشقّ من ذلك وأشدّ وهو الجهاد في سبيل الله ومقارعة الأعداء وكسر شوكتهم، فإن غزاة بدر وفتح مكة وهما أعظم معارك المسلمين كانتا في شهر رمضان، لذلك كله لا تعجبوا عندما نقول أن العمل والتعلّم في رمضان خطوة حسنة موفّقة لأمور عدة منها: إيقاظ الأمة من سُباتها وغفلتها لينظروا فيما ينفعهم ويصلح لهم، وهذا داعٍ إلى العبادة وذكر الله تعالى كثيرًا، فإنكم تشاهدون في الدوائر والجامعات والمدارس المصاحف مع الطلاب، وتسمعون دويّهم ولهجهم بكتاب ربهم وهم في ذلك منشرحون مبتهجون مسرورون فكان ذلك خيرًا لهم.

بينما إذا بقوا في منازلهم انظر متى يستقيظ الناس؟! أما الأشقياء فلا تسّل عنهم، لكن الصالحون والأخيار إنك تجدهم في تقصير وتغافل، وتأمل كم جرى ويجري من اعتداءات وسرقات وقضايا إفساد وبلبلة واضطراب.

ثم إن ذلك دعوة للجد واغتنام الساعات وسعي في الخيرات، فالكسول مثلًا يحضر إلى عمله أو مدرسته يرى زملاءه وجيرانه يقرأُون القرآن ويتلونه فيدفعه ذلك للقراءة وحُسن العمل فينتفع بذلك تمام الانتفاع، ويقضي يومًا مباركًا، بينما لو كان غائبًا لفاته كل ذلك. والله المستعان!.

ثم اعلموا أن التخلّف والرّقاد لمدة طويلة يُفقد الإنسان أنفَس وأغلى شيء في حياته وهو الوقت.

والوقت أنفس ما عُنيتَ بحفظه ... وأراه أسهلَ ما عليك يضيعُ

وبليّة أن يكون هذا التخلّف في رمضان!.

2 ـ الصدق والإخلاص:

الصيام علامة الصدق ودليل الإخلاص، فالصوم سرّ بين العبد وربه سبحانه وتعالى، لا يطّلع عليه أحد من الخلق، فالصائم يخلو في بيته فقد يطعم شيئًا ويخرج إلى الناس بدعوى أنه صائم، ولا يلحظ أحدٌ فطرَه وكذبه، ومن هنا كان الصوم تربية على الصدق وتمرينًا عليه، وهو سبيل الإخلاص وحبّه وطلبه في سائر العبادات، ولولا خوفه ومراقبته لربّه عز وجل لما كان صادقًا مخلصًا في عمله وعبادته لا يريد بها إلا وجه الله سبحانه وتعالى {فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ أَلاَ لِلَّهِ الدِّينُ الخَالِصُ} [الزمر: 2 - 3] .

3 ـ حُسن الخلُق:

الصائم ذو خلُق وأدب وسمت وورع، لا يقابل السيئة بالسيئة، ولا يخلط صيامه بفُحش وزور وتنازُع، لأن ذلك ينقص أجره وثوابه ويفقده حلاوة الصوم وسعادته، ففي الأدب النبويّ الكريم: (فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب فإن سابّه أحدٌ أو قاتلَه فليقل: إنّي امرؤٌ صائم) [1] فهذا نداء لترك الخصام والجدال، ولزوم الصمت بغير ذكر الله وتلاوة القرآن، فلا ريب أنه تربية للّسان وصيانة له من الأدواء والأهواء، قال صلى الله عليه وسلم: (مَن كان يؤمن بالله واليوم الآخِر فلْيَقُل خيرًا أو لِيصمُت) [2] .

الصائم يخالط الناس ويحادثهم ويحتك بهم، لكنه معهم صاحب أدب جمّ وخلُق نبيل يمتثل الحُسنى، إن لفَظَ بعلم، وإن سكت سكت بحِلم، يزينه السمت والسكينة والوقار، غالب حديثه النافع المفيد، من ذكر الله وقراءة القرآن ومذاكرة العلم والنصح بالتي هي أحسن.

4 ـ التّقوى:

إن العبد الصائم إبّان صومه يعبد ربه سبحانه وتعالى، ويعظّمه بهذه الطاعة إذ أنه ينكفّ عن سائر المفطرات تحقيقًا لهذه الطاعة، فلا يصل إلى جوفه شيء منها من طلوع الفجر إلى مغيب الشمس، ثم هو مع ذلك يراقب الله ويخشاه، يرجو رحمته ويخاف عذابه يظل ذاكرًا مصليًا مُخبِتًا، لكي يبلغ درجةالتقوى التي هي عزّ الصيام وشرفه وكماله {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} ، فلا ريب حينئذٍ أن حبسه نفسه عن المفطرات والشهوات مما يشرح صدره للطاعة ويضيّق على الشيطان مجاريه من ابن آدم، فيكون مُهيّأ لنيل درجة المتقين، نسأل الله تعالى أن يمنّ علينا بمنه وكره وفضله.

(1) سبق تخريجه.

(2) البخاري (6475) ، ومسلم (47) عن أبي هريرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت