فهرس الكتاب
الخامسة: حديثٌ زاهر باهرٌ رواه الإمام أحمد في مسنده بسند حسن عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إنّ أمارة ليلة القدر أنها صافية بلجة، كأن فيها قمرًا ساطعًا، ساكنة ساجية لا برد فيها ولا حرّ، ولا يحل لكوكب أن يُرمي به فيها حتى تصبح، وإن أمارتها أن الشمس صبيحتها تخرج مستوية ليس فيها شعاع مثل القمر ليلة البدر ولا يحلّ للشيطان أن يخرج معها يومئذٍ) [1] .
وهناك علامات آُخر ذكرها بعض العلماء، يتناقلها العامة ويتندّرون بها منها: أن المياه المالحة تصبح ليلة القدر حلوة، وأن الأشجار تسقط إلى الأرض ثم تعود إلى حالها، ومنها أن الكلاب لا تنبح ليلتها، وأن الأنوار تضيء في كل مكان حتى في الأماكن المظلمة، وأنه يُرى كل شيء في ليلتها ساجدًا، ومنها سماع تسليم الملائكة وخطابهم للناس.
وهذه العلامات ليست بصحيحة ولا أصل لها فهي"من أخبار طَسْم وأحلامها".
وقد نظم بعضهم العلامات التي صحّت في هذه الليلة الشريفة فقال:
لها علامات عن سيّد البشَر ... بهيَّة أسندها أهل الأثر
فليلُها طلقٌ وبلجٌ زاهرٌ ... لا حرَّ لا بردَ هناكَ ظاهرُ
والشمسُ في صباحها حمراءُ ... ضعيفةٌ ليس لها ضياءُ
كالطَّست بيضاء بلا شعاعِ ... وهكذا الوصف بلا نزاع
لا يخرج الشيطانُ والنجومُ ... لا تُرمي فيها قاله المعصومُ
أما إحياء هذه الليلة الشريفة:
فقد قال الحافظ ابن رجب رحمه الله: ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (مَن قام ليلة القدر إيمانًا احتسابًا غُفر له ما تقدّم مِن ذنبه) [2] . وقيامها إنما هو إحياؤها بالتهجّد فيها بالصلاة، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم عائشة رضي الله عنها بالدعاء فيها وعلّمها أن تقول: (اللّهم إنّكَ عفوٌّ كريمٌ تُحبّ العفوَ فاعفُ عنّي) [3] .
قال سفيان الثوري: الدعاء في تلك الليلة أحبّ إلىّ من الصلاة. قال: وإذا كان يقرأ وهو يدعو ويرغب إلى الله في الدعاء والمسألة لعلّه يوافق. انتهى.
ومراده أن كثرة الدعاء أفضل من الصلاة التي لا يكثر فيها الدعاء، وإن قرأ ودعا كان حسنًا، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يتهجّد في ليالي رمضان ويقرأ قراءة مرتّلة لا يمرّ بآية فيها رحمة إلا سأل، ولا بآية فيها عذاب إلا تعوّذ، فيجمع بين الصلاة والقراءة والدعاء والتفكّر، وهذا أفضل الأعمال وأكملها في ليالي العشر وغيرها، والله أعلم.
وقد قال الشعبي في ليلة القدر: ليلها كنهارها.
وقال الشافعي في القديم: استحبّ أن يكون اجتهاده في نهارها كاجتهاده في ليلها، وهذا يقتضي استحباب الاجتهاد في جميع زمان العشر الأواخر، ليله ونهاره. والله أعلم.
وأما حديث أبي هريرة الذي رواه ابن خزيمة في صحيحه:"مَن صلّى العشاء الآخرة في جماعة في رمضان فقد أدرك ليلة القدر" [4] فهذا الحديث إسناده ضعيف، وبنحوه أخرجه الطبراني من حديث أبي أُمامة الباهلي، وهو ضعيف أيضًا أشار إلى ضعفه الحافظان الجليلان العراقي والهيثمي، والله تعالى أعلم [5] .
{25} الصيَام تعليمٌ وتربيَة
إن الشريعة الإسلامية المطهرة نزلت رحمةٌ ونورًا وهدايةً للناس، {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107] ، قامت لنفع العباد وتزكيتهم وحفظ حقوقهم ومصالحهم وتنظيم أمورهم ومعاشهم.
وإن مما شرعه ربنا عز وجل وافترضه وقام عليه عمود ديننا (العبادات الشرعية) التي حوَت من الحِكم والأسرار ما تعجز عقولنا عن إدراكه والإحاطة به، ومن تلك العبادات فريضة الصيام، وما أدراك ما فريضة الصيام؟ الشعيرة الزكيّة والقُربة الرضيّة، والتي فيها ما فيها من صور التربية والتعليم ما يدل على فضلها وعِظم مَن شرّعها وأمر بها.
ولا أظنّ عاقلًا يقول: إن الصيام إمساك تعبّدنا اللهَ تعالى به فحسب في مدة معينة، لأن دعواه تلك تدل على قصر نظره وقلة فقهه وضعف مداركه. {وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ العَالِمُونَ} [العنكبوت: 43] .
إنّنا مع تعبّدنا لله عز وجل بالصيام ندرك منه منافع ودروسًا وخصالًا محمودة، فالصيام تعليم وتربية لنفوسنا يهديها معالم حية، ويورثها أنوارًا بهيّة، ويمنحها صفاتٍ وأخلاقًا وآدابًا قد لا تُرى في سواه، فمن تلك ما يلي:
1 ـ أن الصيام شهر الصبر والتحمل:
يصبر العبد المسلم فيه على الجوع والعطش ويتحمل دواعيهما وكل ما يحثّ عليهما، فالصائم قد يجوع ويطول جوعه، ويظمأ ويشتد ظمؤه ساعات كثيرة ثم يحين ميعاد فطره وفرحته، هل تظنون أنه لم ينتفع بفترة إمساكه وصيامه؟ كلا والله، لقد تعلّم فيها درس الصبر واحتمال المشاق والشدائد، فزكّت نفسه وصقلت روحه وعلَت همته وكبر جدّه ونشاطه.
(1) أحمد (5/ 324) .
(2) تقدم تخريجه.
(3) تقدم تخريجه.
(4) ابن خزيمة (2195) .
(5) انظر فيض القدير للمناوي (6/ 165 - 166) .