فهرس الكتاب
وليلة سبع وعشرين هي أرجى ليلة عند جمهور العلماء، لكن ليس معنى ذلك الدوام والثبوت بل هذا من باب الغالب، والصواب ما قدمنا أنها متنقّلة في الأوتار، وقد رآها النبي صلى الله عليه وسلم ليلة إحدى وعشرين، وكانت علامتها أن يسجد في ماء وطين، قال أبو سعيد ـ كما في الصحيحين ـ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( .. وقد أُريت هذه الليلة ثم أُنسيتها فابتغوها في العشر الأواخر، وابتغوها في كل وتر، وقد رأيتُني أسجد في ماءٍ وطين) ، قال أبو سعيد: فاستهلّت السماء في تلك الليلة فأمطرَت فوكَف المسجد في مُصلَّى النبي صلى الله عليه وسلم ليلة إحدى وعشرين، فبصرُتْ عيني رسول الله صلى الله عليه وسلم ونظرتُ إليه، انصرف من الصبح ووجهه ممتلئ طينًا وماءً [1] . وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن أُنيس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أُريتُ ليلة القدر ثم أُنسيتها، وأراني صبحها أسجد في ماء وطين) قال: فمُطِرنا صبيحتها ليلة ثلاث وعشرين، فصلَّى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فانصرف وإن أثر الماء والطين على جبهته وأنفه [2] . فالمهم أنها متنقلة، ولهذا قال بعضهم:
والليلة الشريفة ذاتُ القدرِ ... في الوتر تنتقلْ بنص الخبر
وكونها سابعة الليالي ... في غالب الأعوام والأحوال
وقد ورد في الإحدى والعشرينِ ... منظرُها من النبي الأمين
قال العلماء: الحكمة من إخفاء ليلة القدر ليحصُل الاجتهاد في الْتماسها بخلاف ما لو عُيّنَت لها ليلة لاقتُصِر عليها وقلّ العمل وضعف الاجتهاد، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يودّ إخبار الناس بها لكن صدّه عن ذلك تلاحي الناس وتخاصمهم فاشتغل بهم فنسيها، ويحتمل أن المراد خفيت معرفتها بسبب التلاحي والتخاصم، مما يدل على شؤم ذلك وأنه قد يكون سببًا في رفع الخير وحرمانه.
ثبت في صحيح البخاري، وبّوبَ له البخاري بقوله:"باب رفع معرفة ليلة القدر لِتلاحي الناس"عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: خرج النبي صلى الله عليه وسلم ليخبرنا بليلة القدر فتلاحيَ رجلان من المسلمين فقال:"خرجتُ لأخبركم بليلة القدر فتلاحَي فلان وفلان فرُفعت وعسى أن يكون خيرًا لكم فالْتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة" [3] .
وهذا الحديث استدل به مَن قال إن ليالي الأشفاع تُرجى فيها ليلة القدر، لأن قوله"التاسعة"يحتمل أن يريد بها تاسع ليلة تبقى من الشهر فتكون ليلة إحدى وعشرين أو اثنتين وعشرين بحسب تمام الشهر ونقصانه، وهكذا فسّرَه أبو سعيد في الحديث الصحيح، وعلى هذا ينبغي تحرّيها في العشر الأواخر جميعها، وهذا رأي ابن تيمية [4] .
لكن يعكّر على ذلك أن في بعض روايات الصحيح:"التمسوها في التسع والسبع والخمس"أي في تسع وعشرين، وسبع وعشرين وخمس وعشرين، وفي رواية لأحمد"في تاسعة تبقى"فحينئذٍ يكون الأرجح والأظهر هو القول الأول، والله تعالى أعلم [5] .
أما علامات ليلة القدر:
فقد ورد لها عدة علامات تُعرف بها وتعيّنها، والتي صحّ منها كالتالي:
الأولى: ما رواه مسلم في صحيحه وابن خزيمة وأبو داود وغيرهم عن زِرّ حُبيش في سؤاله لأبيّ بن كعب رضي الله عنه عن ليلة القدر وفيه:"فقلت: بأي شيء تقول ذلك يا أبا المنذر؟ فقال: بالعلامة أو بالآية التي أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أنها تطلع يومئذٍ لا شُعاع لها) [6] ، وفي لفظ قال: (أن تطلع الشمس في صبيحة يومها بيضاء ولا شعاع لها كأنها طَسْت) [7] ."
الثانية: ما رواه مسلم أيضًا في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: تذاكرنا ليلة القدر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (أيّكم يذكر حين طلع القمر وهو مثل شق جفنة) [8] وقد تقدم قول أبي الحسن الفارسي بأن ذلك يكون ليلة سبع وعشرين.
الثالثة: ما رواه ابن خزيمة والبزّاز عن ابن عباس رضي الله عنهما بسندٍ حسن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في ليلة القدر: (ليلة طلقة لا حارّة ولا باردةً تُصبح الشمس يومها حمراء ضعيفة) [9] .
الرابعة: ما رواه ابن خزيمة وابن حيان في صحيحهما عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إني كنتُ أُريت ليلة القدر ثم نُسيَّتُها، وهي في العشر الأواخر، هي طلقة لا حارّة ولا باردة كأن فيها قمرًا يفضح كواكبها، لا يخرج شيطانها حتى يخرج فجرها) [10] . وهذا لفظ ابن حبان، وهذا الحديث صحيح بشواهده.
(1) البخاري (2018) ، ومسلم (1167) ، وقوله: وكف المسجد: أي سالَ.
(2) مسلم (1168) .
(3) البخاري (2023) .
(4) مجموع الفتاوى (25/ 284 - 285) .
(5) انظر الفتح (4/ 316) .
(6) مسلم (762) وابن خزيمة (2193) وأبو داود (1378) .
(7) ابن حبان (3690) .
(8) مسلم (1170) .
(9) ابن خزيمة (2192) ، والبزار (1034) .
(10) ابن خزيمة (2190) وابن حبان (3688) .