الصفحة 62 من 75

وليالي السبع الأواخر حقائق بالتحرّي والالتماس فقد جاء في الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رجالًا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أُرُوا ليلة القدر في المنام في السبع الأواخر من رمضان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أرى رؤياكم قد تواطأَت في السبع الأواخر فمَن كان متحرّيها فليتحرَّها في السبع الأواخر) [1] .

وهذا البخر يحتمل معنيين، الأول: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى توافُق رُؤاهُم أنها في السبع الأخير من تلك السنة أمَرهم تلك السنة، بتحرّيها في السبع الأواخر.

والثاني: أنها تُطلب في السبع الأواخر عند حصول العجز والضعف عن طلب العشر كله فأرشدَهم إلى ذلك، وهذا الأخير صححه ابن خزيمة وابن حبان رحمهما الله، وذكرا الخبر الدال على ذلك وهو في صحيح مسلم وغيره [2] ، قال ابن خزيمة رحمه الله في صحيحه:"باب ذكر الخير الدال على صحة المعنى الثاني الذي ذكرتُ، أنه أمرَ بطلبها في السبع الأواخر إذا ضعف وعجز طالبها عن طلبها في العشر كله"ثم ساق حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الْتمسوها في العشر الأواخر ـ يعني ليلة القدر ـ فإن ضعف أحدكم أو عجز فلا يُغلَبنَّ على السبع البواقي"."

وترجم ابن حبان رحمه الله في صحيحه نظير ترجمة ابن خزيمة رحمه الله.

والحق أن ليلة القدر لا تختص بليلة من ليالِ العشر بل إنها تنتقل في أوتاره، فقد تكون في عامٍ مثلًا ليلة ثلاث وعشرين، وآخر ليلة خمس وعشرين، وآخر ليلة سبع وعشرين وهكذا، وهذا ما قاله أبو قلابة ونصّ عليه مالك والثوري وأحمد وإسحاق.

قال الحافظ لما حكى الأقوال الكثيرة: وأرجحها كلها أنها في وتر من العشر الأخير، وأنها تنتقل كما يُفهم من أحاديث الباب [3] .

وأرجَى الليالي بالموافقة وأحظّها بالفضل والعناية، ليلة سبع وعشرين، وقد وردت عدة أحاديث تدل على فضلها وأهميتها، فقد روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: تذاكرنا ليلة القدر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (أيّكم يذكر حين طلع القمر وهو مثل شِق جَفنة) [4] قال أبو الحسن الفارسي: أي ليلة سبع وعشرين فإن القمر يطلع فيها بتلك الصفة، وفي صحيح مسلم قال أُبيّ بن كعب رضي الله عنه:"والله أعلمُ أنها في شهر رمضان، وأنها في العشر الأواخر، وأنّها ليلة سبع وعشرين" [5] .

وفي صحيح مسلم أيضًا عن ابن عمر رضي الله عنهما:"رأى رجلٌ ليلة القدر ليلة سبع وعشرين" [6] . وروى الطبراني من حديث ابن مسعود قال: سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ليلة القدر فقال: (أيّكم يذكر ليلة الصهباوات؟) قلت: أنا، وذلك ليلة سبع وعشرين [7] ، والصهباوات: موضع بقرب خيبر.

وأخرج أحمد في مسنده عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ليلة القدر ليلة سبع وعشرين) ، وعند أبي داود وابن حبان وغيرهما عن معاوية نحوه وسنده صحيح [8] .

وعند ابن المنذر:"مَن كان متحرّيها فليتحرّها في ليلة سبع وعشرين".

وبجانب هذه الآثار المائلة لسبع وعشرين، ذكر بعضهم عدة مرجّحات، لعل أحسنها البعيد عن التكلّف ما أخرجه الحاكم في مستدركه وصححه وقال الذهبي: إنه على شرط مسلم، عن ابن عباس رضي الله عنهما أن عمر كان إذا دعا الأشياخ من الصحابة قال لابن عباس: لا تتكلم حتى يتكلّموا فقال ذات يوم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (الْتمسوا ليلة القدر في العشر الأواخر وترًا) ، أيّ الوتر هي؟ فقال رجل برأيه تاسعة سابعة خامسة ثالثة، فقال لي: مالَك لا تتكلم يا ابن عباس؟ قلت: أتكلّم برأيي؟ قال: عن رأيك أسألُك، قلت: سابعة تمضي أو سابعة تبقى من العشر الأواخر. فقال: من أين علمتَ هذا؟ قلت: خلق الله سبع سمواتٍ وسبع أرضين وسبعة أيام، والدّهر يدور في سبع، والإنسان خُلق في سبع، ويأكل من سبع، ويسجد على سبع، والطواف والجمار .. وأشياء ذكرها فقال عمر رضي الله عنه: إني لأرى القول كما قُلت. ثم قال للصحابة: أعجزتُم أن تكونوا مثل هذا الغلام الذي ما استوَت شؤون رأسه" [9] ."

(1) البخاري (2015) ، ومسلم (1165) .

(2) مسلم (1165) ، وابن خزيمة (2183) ، وابن حبان (3676) .

(3) فتح الباري (4/ 313) .

(4) مسلم (1170) .

(5) مسلم (762) .

(6) مسلم (1165) .

(7) الطبراني (10/ 152) وأحمد (1/ 396) وسنده ضعيف لانقطاعِه.

(8) أبو داود (1386) وابن حبان (3680) .

(9) المستدرك (1597) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت