فهرس الكتاب
ومعنى قوله تعالى: {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} أي في ليلة القدر يُفصل من اللوح المحفوظ إلى الكتَبَة أمر السنة وما يكون فيها من الآجال والأرزاق وما يكون فيها من خير وشر وسعادة وشقاء ونحو ذلك.
ومن عظيم فضل هذه الليلة كما قال تعالى: {تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ} [القدر: 4] والمعنى أنه يكثر تنزُّل الملائكة فيها لكثرة بركتها، والملائكة ينزلون مع تنزل البركة والرحمة كما ينزلون عند تلاوة القرآن ويحيطون بحِلَق الذكر، ويضعون أجنحتهم لطالب العلم بصدقٍ تعظيمًا له [1] .
والمستحب لسائر المسلمين طلب هذه الليلة وإحياؤها بالقيام والدعاء والذكر، فإن العمل فيها خير من عمل ألف شهر ليس فيها ليلة القدر، وقد ندب النبي صلى الله عليه وسلم أمّتَه وحضّهم على ذلك، ففي الحديث المتفق عليه وأخرجه البخاري في كتاب فضل ليلة القدر من صحيحه من حديث أبي سلَمة عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مَن قامَ ليلة القدرِ إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدّم من ذنبه) [2] ، وقال في حديث غيره:"تحرّوا ليلة القدر"وفي بعض الألفاظ"الْتَمِسُوا"وفي بعضٍ"تحَّنُوا".
خصوصية ليلة القدر بهذه الأمّة:
فضل ليلة القدر خاص بهذه الأمة على الصحيح الذي جزم به غير واحد من الأئمة كابن حبيب المالكي ـ رحمه الله ـ وهو قول الجمهور، وقد ذكر مالك ـ رحمه الله ـ في الموطأ ما يدل على ذلك فقد قال أبو مصعب أحمد بن أبي بكر الزهري: حّدثَنا مالك أنه سمع مَن يثق به أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أُريَ أعمار الناس قبله فتقالّها، أو ما شاء الله من ذلك، فكأنه تقاصرَ أعمار أمتَّه أن لا يبلغوا من العمل مثل الذي بلغ غيرهم في طول العمر، فأعطاه الله ليلة القدر خيرًا من ألف شهر [3] .
وقد روي أحمد والنسائي ما يعارض ذلك ويرشد بأن ليلة القدر كانت في الأمم الماضية قبلنا، ولفظه: عن أبي ذرٍّ رضي الله عنه أنه سأل النبيّ صلى الله عليه وسلم عن ليلة القدر أفي رمضان هي أو في غيره؟ قال صلى الله عليه وسلم: (بل هي في رمضان) ، قلت: تكون مع الأنبياء ما كانوا فإذا قُبِضوا رُفعَت أم هي إلى يوم القيامة؟ قال صلى الله عليه وسلم: (بل هي إلى يوم القيامة) [4] .
وهذا الحديث يمكن أن يؤول على أنها كانت موجودة عندهم لكن فضلها وثوابها خاص بهذه الأمة كرامة للنبي صلى الله عليه وسلم.
تحرّي ليلة القدر والْتِماسها:
ليلة القدر في رمضان وليست في موسم سواه، أما ما رُوي عن بعض السلف كابن مسعود أنها ممكنة في جميع السنة فهذا محمول منه على أنه أرد ألا يتكل الناس، وأما مَن يقول أنها رُفعت أصلًا كالرّافضة فهذا بيّن الفساد وفساده يغني عن الاشتغال بردّه ونقضه، فقد روي عبد الرزاق في مصنفه عن عبد الله بن يحنس قال: قلت لأبي هريرة: زعموا أن ليلة القدر رُفعت؟ قال:"كذَب مَن قال ذلك" [5] .
وأخرج من طريق عبد الله بن شريك قال: ذكر الحجاج ليلة القدر فكأنه أنكرها، فأراد زِرّ بن حُبيش أن يحصبه فمنعه قومه.
وأما في أيّ ليالي رمضان تُلتمَس؟ فهذا الذي جرى فيه الخلاف كثيرًا، حتى نقل الحافظ ابن حجر في هذه المسألة أكثر من أربعين قولًا، كما وقع له نظير ذلك في ساعة الجمعة، وتلكم الأقوال عند التحقيق والتمحيص تتداخل في بعض، وبعضها مُستنده واهٍ ضعيف، ومنها ما هو إلى الغرابة والشذوذ أقرب، ومنها ما لا طائل مِن ورائه إلا تسويد الأوراق وإضاعة الأوقات، والجادة من هذه الأقوال أنها في العشر الأواخر من رمضان وهي آكّدُ في الأوتارِ لِما ثبت في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها وبوّبَ له البخاري في كتاب ليلة القدر من صحيحه باب تحرّي ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (تحَرَّوْا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان) [6] .
وفي حديث أبي سعيد الخدري قال: (ابتغوها في العشر الأواخر وابتغوها في كل وتر) [7] . وفي حديث ابن عباس قال صلى الله عليه وسلم: (الْتَمِسوها في العشر الأواخر من رمضان ليلة القدر في تاسعة تبقى في سابعة تبقى في خامسة تبقى) [8] .
(1) انظر تفسير ابن كثير (4/ 568) .
(2) البخاري (2014) ، ومسلم (760) .
(3) موطأ مالك (1/ 342) [889] .
(4) أحمد (5/ 170) ، والسنن الكبرى (3427) .
(5) مصنف عبد الرزاق (4/ 255) .
(6) البخاري (2017) ، ومسلم (1169) بدون لفظ (الوتر) .
(7) البخاري (2018) ، ومسلم (1167) ، وأبو داود (1382) .
(8) البخاري (2021) ، ومسلم (11) .