الصفحة 60 من 75

رابعًا: أن بعض المسلمين قد لا ينشط للصلاة والقيام مع الناس لعذرٍ ونحوه، فهذا لا بأس أن يصلي لوحده في منزله، وإن كانت الجماعة أفضل وأزكى وأحبّ، وإن كان لا يستطيع الاجتهاد في الصلاة فعليه أن يصرف همّته إلى وجوه الخير الأخرى كقراءة القرآن والذكر والصدقة والإحسان وصنائع المعروف، ويعتني أكثر ما يعتني بما ينفع قلبه ويصلحه ويؤثر فيه، وهنا سؤال ورد على شيخ الإسلام ابن تيمية: أيما أفضل إذا قام من الليل الصلاة أم القراءة؟ فأجاب: بل الصلاة أفضل من القراءة في غير الصلاة نص على ذلك أئمّة العلماء وقد قال: (استقيموا ولن تحصوا واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن) [1] .

لكن مَن حصل له نشاط وتدبّر وفهم للقراءة دون الصلاة فالأفضل في حقه ما كان أنفع له [2] .

{24} ليلةُ القَدْر

الليلة العظيمة المباركة الشريفة، فرصة العمر وغرّة الشهر وفوز الدّهر، هي أعظم الليالي وأزكاها، وأبركها وأنفعها للأمّة، إذ فيها بزَغَ النور وانقشَعَت الظُّلمة، وحلّت السعادة وانسحقَت الشقاوة، وساد التوحيد وانخسَأَت الوثنية، لأن فيها القرآن فشعَت الحياة بعد الممات، والهداية بعد الغواية، والنجاة بعد الهلاك، والاجتماع بعد الفرقة والتمزّق.

ما أعظم هذه الليلة، خيرٌ من ألف شهر!، يتسابق الصالحون إليها والأخيار في طلبها، وكلهم طمعٌ في إدراكها وشوق إلى نيِلهَا، وحبّ في قيامها وإحيائها، ليلةٌ لا عِدْلَ لها ولا مثيل، بركة ورحمة وفضل وثواب، وهدىً ومغفرة وإجابة، ليلةٌ لا يوصف فضلها، ولا يُدرك خيرها ولا تُحصى بركتها، حوَت نفائس الخيرات والهِبات والأُعطيات، إنها من دُرر الحياة ولآلئ الوجود وجواهر الكون.

عظّمها الله تعالى فكانت الغاية في العظمة، ومجّدها فحازت أبلغ الثناء، وشرّفها اسمًا وذكرًا وحالًا، {وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ القَدْرِ} [القدر: 2] ، ليلةُ يا عزّ مَن قامها وأحياها، ويا سعادة مدركها وعامِرها، فاءَ بالسعادة والهُدى والمغفرة، ويا خيبةَ مَن ضيّعها وأهملها ّ فحُرم خَيرها وسعادتها وبركتها!.

إنه لأجرٌ وأيّ أجر في ليلةٍ تنقضي في سويعات معدودة ينال المسلم أجرها قي وقت وجيز، إذا علا مركب الصدق والإخلاص وكان ذا إيمان واحتساب، قال صلى الله عليه وسلم: (إنّ هذا الشهر قد حضركم، وفيه ليلة خير من ألف شهر، مَن حُرمَها فقد حُرم الخير كله، ولا يُحرم خيرها إلا محروم) [3] .

ليلة ذات قدر وشرف، ومنزلة وسمو، ورفعة وعلوّ، من سموها وقدرها تنزّل الملائكة فيها بأمر الله تعالى وقضائه تلك السنة، ليلة ذات أمنٍ وسلام من كل مكروه، وصيانة من كل أذىً وحفظ من كل خطر وفزع {سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الفَجْرِ} [القدر: 5] .

ليلة تحبيس الشياطين وتصفيدهم وإركاسهم وعدم تأثيرهم، ليلةٌ هي هدىً للصالحين، وتوبة للمذنبين، وتزكية للمتّقين، وذكرى للغافلين، معطّرة الأطياب، مفتّحة الأبواب، مؤنسة الأحباب، كم تنزل فيها من رحمة وتُمحى من سيئة وتُقال من عثرة ويُمنع من سوء، فضلٌ كريم وخير عميم، ورحمة واسعة ومغفرة عظيمة.

فما أجلّ ربنا تبارك وتعالى وأرحمه وألطفه بعباده {أَفَلاَ يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [المائدة: 74] ، يفرّج همًا، يُغيث ملهوفًا، يجيب سائلًا، {كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} [الرحمن: 29] .

ليلة القدر ميدان التسابق، ومركب النجاة والمتجر الرابع والحياة الطيبة السعيدة، نسأل الله تعالى من فضله ورحمته، روى النسائي في سننه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (أتاكُم شهر رمضان شهرٌ مبارك، فرَض الله عليكم صيامه، تُفتَح فيه أبواب السماء وتُغْلَق فيه أبواب الجحيم وتُغلّ فيه مرَدة الشياطين، لله فيه ليلة خير من ألف شهر، مَن حُرم خيرها فقد حُرم) [4] .

أيها الصائمون:

يقول الله تبارك وتعالى في كتابه العظيم: {حم وَالْكِتَابِ المُبِينِ إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ أَمْرًا مِّنْ عِندِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ} [الدخان: 1 - 5] .

هذه الليلة المباركة هي ليلة القدر، لأن إنزال القرآن كان في رمضان في ليلة القدر كما قال تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ القَدْرِ} [القدر: 1] وهذا من تفسير القرآن بالقرآن، وقد ثبت عن جماعة من السلف أن الليلة المباركة هي ليلة القدر، وأمّا ما يُروى عن عكرمة رحمه الله أنّها ليلة النصف من شعبان فهذا قولٌ ضعيف غريب، ومُستنده مُرسل، لا يعارض بمثله النصوص [5] .

(1) أحمد (5/ 280) وابن ماجة (277) وصححه ابن حبان (1037) .

(2) مجموع الفتاوى (23/ 62) .

(3) ابن ماجة (1644) عن أنس وسنده حسن.

(4) النسائي (2416) .

(5) انظر تفسير ابن كثير (4/ 148) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت