فهرس الكتاب
{إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ القَدْرِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ القَدْرِ لَيْلَةُ القَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ} [القدر: 1 - 3] .
يا معاشر الصائمين:
اجتهدوا بالعمل الصالح في هذه الليالي الطيبات الفاضلات، فإنها خُلاصة الشهر ولُبّه وروحه، وإذا كان رمضان أيامًا معدودات، فهذه العشر هي ثُلثُ الأيام المعدودات، واخيبةَ مَن ضيّعها وتشاغل منها.
اعلموا أن رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم كان يجتهد في العَشر ما لا يجتهد في غيره، ويخصها بمزيد العمل والنشاط والمسارعة طلبًا في فضلها والتماسًا لليلة القدر الشريفة، بل كان يجعل الاعتكاف وهو لزوم الطاعة فيها.
قال عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها كما في الصحيحين:"كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل شدّ مئزَرَه وأحيا ليله وأيقظَ أهله" [1] ولفظ مسلم"وجدَّ وشدّ مِئزرَهُ".
ومعنى قولها"شدّ مئزرَهُ"قيل: معناه الجدّ في العبادة كما يُقال: شدَدْتُ لهذا الأمر مئزري أي: تشمّرتُ له، وقيل: بل المراد اعتزال النساء، وبذلك جزَم عبد الرزاق عن الثوري، واستشهد بقول الشاعر:
قومُ إذا حاربُوا شدّوا مآزِرَهم
عن النساءِ ولو باتت بأطهار
وذكر ابن أبي شيبة عن أبي بكر بن عياش نحوه، وفي بعض روايات الحديث ما يقوي هذا المعنى:"شدّ مئزرَه واعتزل النساء" [2] .
يا صائمون:
هذا نبيكم صلى الله عليه وسلم يعظّم أمر هذه العَشر، ويحوطها بكل رعاية وعناية حتى إنه لينكف عن المباحات وسائر اللذاذات ـ ومنها لذّة النساء ـ لكي يتفرغ للعبادة ولا ينشغل عنها، أو يقارف مباحًا، يضيع وقته ويحرمه لذة العبادة والمناجاة، إن هذا بحق هو الجدّ والحزم والاهتمام وليس الكسل وكثرة المنام.
وأما قولها:"وأحيا ليله"أي سهره بالطاعة والعبادة، وظاهره أنه يحيي الليل كله وهو مشكل في الظاهر لما ورد في صحيح مسلم عن عائشة قالت:"وما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قام ليلة حتى الصباح" [3] .
والجواب ـ والله أعلم ـ أن الإحياء المذكور في العشر يكون بالصلاة والذكر والقراءة ويتخلل ذلك سحور ونحوه، بينما المنفى في حديث عائشة هو القيام فقط، وربما يُحمل كلامها على ما عدا رمضان لما علما أنه يضاعف جهده وعمله في رمضان لا سيما عشره الأواخر، أو يُحمل أنه يحي غالب الليل.
أما الحديث الذي ذكرته عائشة في المسند قالت:"كان النبي صلى الله عليه وسلم يخلط العشرين بصلاة ونوم، فإذا كان العشر شمّرَ وشدّ المئزَر" [4] . فهذا حديث ضعيف لكن معناه صحيح تشهد له النصوص الأخرى، والله أعلم.
وأما قولها:"وأيقظَ أهله": أي للصلاة، والأصل هنا أزواجه، وقد تعم جميع مَن في البيت، ويدل له ما رواه الطبراني في الأوسط وأبو يعلي في مسنده عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال:"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوقظ أهله في العشر الأواخر في شهر رمضان وكل صغير وكبير يُطيق الصلاة"، قال الهيثمي: إسناد أبي يعلي حسن [5] ، والحديث قد رواه الترمذي مختصرًا ومحمد بن نصر عن زينب بنت أم سلمة قالت:"لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم إذا بقى من رمضان عشرة أيام يدع أحدًا من أهله يُطيق القيام إلا أقامه" [6] .
فأين هؤلاء الآباء الصلحاء الذين يسارعون للقيام في المساجد ويدعون أبناءهم أمام الملهيات أو يتركونهم في الشوارع والطرقات يلهون ويتسفهون بلا سؤال ولا عتاب ولا محاسبة، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لاَّ يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم: 6] .
ومما ينبغي التنبيه نحوه حول هذه العشر المباركة الحِسان أمور:
أولًا: أن المشروع فيها إحياؤها بالطاعة والعبادة من ذكر وصلاة وتلاوة للقرآن، بل يضاعف الإنسان جهده وعمله على ما كان يفعله أول الشهر تحرّيًا لليلة القدر.
ثانيًا: أن مِن صور الاجتهاد فيها أن يعتكف الصائم فيها قُربة لربّه كما كان يفعل النبي صلى الله عليه وسلم زيادة في الخير، وابتعادًا عن كل شاغل وصارف من أمور الحياة الزائلة.
ثالثًا: ما بال كثير من الناس ـ إلا من رحم الله ـ في هذه الأيام إذا حلّت العشر تشاغل عنها بما يجري في عرف الناس، من الاستعداد التام للعيد من تجديد وتجميل وتنظيف وتصليح ونحو ذلك، فتنسلخ الأيام الفاضلة وهم في شغل غافلون، وفي العناية بالمظاهر عاملون، وعن ذكر ربهم وطاعته بعيدون، وفي مصائر الناس وأحوالهم لا يتفكرون ولا يعتبرون، وكأن هؤلاء في غنىً قبل عن إضاعة العشر وصرفها في استعدادات العيد، وهم يدركون فضلها وخيرها وعِظم ثوابها وأجرها.
(1) البخاري (2024) ، ومسلم (1174) .
(2) فتح الباري (4/ 316) .
(3) مسلم (746) .
(4) مسند أحمد (6/ 146) .
(5) مسند أبي يعلي (282) ، وانظر مجمع الزوائد (3/ 174) .
(6) الترمذي (759) .