الصفحة 58 من 75

2 -عدم تمرينهم على الطاعة والصيام: فيوجد بعض الآباء، يهمل قضية تعويد الصغار على الصيام بحجّة أنهم لم يبلغوا ولن يطيقوا، أو ربما كان ذلك غفلةً وتساهلًا منه، وهذا غير لائق بالأب المسلم الصالح الذي يريد أن تقرّ عيناه بصلاح ابنه وهدايته، وهو قد سمع ما نقلناه عن السلف الصالح وعنايتهم بهذا الأمر ومبالغتهم فيه، بل أبلغ من ذلك وأصرَح أن يأمر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك ويقرّه، مع مَن هم دون التمييز.

فقدى روى الإمام ابن خزيمة في صحيحه بسندٍ قال الحافظ: لا بأس به [1] ، عن رَزينة"أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأمر مرضعاته في عاشوراء ورُضعاء فاطمة فيتف في أفواههم ويأمر أمهاتهم أن لا يرضعن إلى الليل" [2] .

وفي المقابل تجد هؤلاء الآباء هداهم الله تعالى مع إهمالهم هذا الجانب المهم في التربية تجدهم قد فتحوا لأبنائهم وفلذات أكبادهم أبوابًا من اللعب والسّفَه في المنزل بحيث يصبح جلّ وقتهم في اللعب واللهو والنوم والسهر. والله المستعان!.

ومن المؤسف أن يكون بعض هؤلاء الأبناء، قد ناهزَ البلوغ أو تعدّاه، ولا يجد الأب الواعي الذي يعظه ويذكّره بفرضية الصيام وأهميته وفضله، ويحذّره من معصية ترك الصيام بعد حصول البلوغ والتكليف.

وغالب مَن يقع في هذا المزلق الخطِر، من نشّأَ أبناءه على حب التنعُّم والرفاهية وطلب الدّعة والراحة، فيكبر الابن ويشبّ وتبين عضلاته، ولا يزال عقله صغيرًا وفكره هزيلًا متماوتًا، والله المستعان!.

وهنا أذكّر بأمر وهو أنه ينبغي عند أمر هؤلاء الصبية الصغار بالصوم والعبادة أن يكون ذلك بأحسن الأساليب وألطفها وأرفقها، فلا يؤخّذون بقوة ولا عُنف ولا شدّة، بل يُرغَّبون في الطاعة، ويحبَّبون إليها ويُشجَّعون على ذلك، قال صلى الله عليه وسلم: (إنّ الله يحب الرِّفق في الأمر كلِّه) [3] .

وفي صحيح مسلم قال صلى الله عليه وسلم: (إنّ الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا يُنزَعُ من شيءٍ إلا شانه) [4] ، وفيه أيضًا عن جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مَن يُحرَم الرفق يُحرَم الخير) [5] .

3 -ترك الأبناء الصغار في الشوارع والطرقات: وهذا أمر وبيلٌ مرتعه، وخيمٌ مصرعه، قد فشا في هذه الأزمان بسبب كثرة الملهيات والمغريات، وهو دليل غفلة الراعي، وعلامة تضييعه لبنيه وأحبابه، إذ أن الشوارع والطرقات تكتظّ بجموع الشباب، المتباينة أسنانهم وأخلاقهم وفيها من أنواع اللعب والسفاهات ما يفسد علينا الأبناء، وينزلهم الحضيض ويفقدهم الخير والصلاح ومحاسن الخِلال. وهذا البلاء يشتد ويكثر في رمضان حيث ينام الناس في النهار ويحيون الليل ساهرين وسامرين على ضروب اللهو والفساد، وقد يمتد سهرهم ولهوهم وباطلهم إلى العشر الأواخر الكريمات، فلا يخشون فيها لومة لائم أو إنكار مُنكِر وزاجر، بل تطول غفلتهم إلى صلاة الفجر وما بعدها والعياذ بالله، فإذا رأيتهم رأيت بينهم طفلًا صغيرًا، وصبيًا بريئًا لا يعي من فسادهم كثيرًا ولا قليلًا. والله المستعان!.

أين أمانتكم ـ أيها الآباء ـ وأين رعايتكم وحفظكم لصبيانكم وما استرعاكم الله تعالى عليه، ثبت في الصحيحين من حديث معقل بن يسار رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (مَا من عبدٍ يسترعيه الله رعيّة يموت يوم يموت وهو غاشٌّ لرعيته إلا حرّم الله عليه الجنّة) وفي رواية (فلم يحطها بنصحه لم يجد رائحة الجنة) [6] .

إننا لَنخشى على هؤلاء الآباء والأولياء، من هذا الوعيد الشديد إذا أهملوا أبناءهم وضيّعوهم ولم يقوموا بحق النصيحة والتربية والصيانة.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لاَّ يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم: 6] .

{23} العَشرُ الأواخِرُ

أيها الإخوة الصائمون:

لقد حلّت بنا لياليٍ شريفة وأيام كريمة وذخائر عظيمة، إنها من فواضل الأيام ونفائس الأوقات وكرائم الساعات، عَشرٌ مليحات شريفات، زخرَت بالأطايب والمكرمات، وارتوت بالنور والرحمات، وحظيت بالجود والهبات.

عَشرٌ هل لُبّ لُباب الشهر، وأيامه العظيمات الغُرّ، وأنجمه البهيّات الزُّهر، ليالٍ ما أجلّ نورها، وأكبر قدرها، وأرفع اسمها وذكرها!.

ليالٍ يودّ المؤمن إحياءها واغتنامها، ونورها وحلاوتها، وفوزها وثوابها، إن فيها ليلة شريفة مباركة هي زهرة الشهر وسرّه ودُرّه وتبره، كم يسعى الصالحون فيها بالجد والعمل والمسارعة في الخير والطاعة، بلي يريدون موافقتها بالقيام والذكر والدعاء، لينالوا فضلًا من الله ورحمة.

(1) فتح الباري (4/ 237) .

(2) صحيح ابن خزيمة (2089) .

(3) البخاري (6024) ، ومسلم (2165) .

(4) مسلم (2594) من حديث عائشة رضي الله عنها.

(5) مسلم (2592) .

(6) البخاري (7150) ، ومسلم (142) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت