فهرس الكتاب
كل ذلك يدل دلالة واضحة على بقاء الخير في الأمة، حتى إن ناشيئتها وزهورها لتتسابق إلى الخيرات والطاعات، فلله الحمد أولًا وآخرًا.
إن تلكمُ الصورة الرائعة تبشّر بخير ونعمة ورخاء، لكننا نطمع ونطمح في أبنائنا وصغارنا أعظم من ذلك، لأننا نؤمّل فيهم أمورًا عِظامًا، ونرتقب فيهم همًا متينًا لدينهم وأمّتهم، فهم تاج الأمّة ومجدها وذخيرتها، وهم عزها وحاضرها ومستقبلها.
لهذا وغيره ينبغي علينا أن نجدّ بعلمٍ وحزم في تربية أبنائنا والنهوض بعقولهم وأفكارهم وفق الضوابط الشرعية المستقاة من الكتاب والسنّة وطريقة السلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم أجمعين.
ولقد كان السلف الصالح ـ رضي الله عنهم يعون هذه المسألة جيدًا، ويعطونها قدرًا وافرًا من حياتهم، لذا فقد أحيوا في قلوب أبنائهم التوحيد وحبّ خالقهم، وغرسوا فيهم مكارم الأخلاق ومحاسن الآداب، فلا غرو أن تسمع من صغيرهم طيب المقال وحَسَنه ورفيعه، ولا عجبَ أن يُشاهَد صغيرهم ذا همّة عالية وصبرٍ ونضال، يعيش التضحية والفداء، ويتمنى الشهادة في سبيل الله تعالى، فلقد رُبُّوا على ذلك أحسن التربية وأتمّها.
عن الرُّبيع بنت معوِّذ قالت:"أرسل النبي صلى الله عليه وسلم غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار فقال: (مَن أصبح مُفطرًا فليتمّ بقية صومه، ومَن أصبح صائمًا فليصُم) قالت:"فكنّا نصومه بعد، ونُصومه بعد، ونُصوِّم صبياننا ونجعل لهم اللعبة من العِهن، فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناه ذاك حتى يكون عند الإفطار" [1] ، ولفظ مسلم:"فإذا سألونا الطعام أعطيناهم اللعبة تُلهيهم حتى يتموا صومهم"."
وكان مجتمعهم المبارك لا يسمح بأية مخالفة أو سلوك سيئّ، ينافي توافقهم وائتلافهم على طاعة ربهم، حتى إنهم لَيُقبِّحوا فعائل عُصاتهم بمحاسن صغارهم وأبنائهم.
روى البخاري في صحيحه معلّقًا بصيغة الجزم عن عمر رضي الله عنه أنه قال لنشوان ـ أي سكران ـ في رمضان:"وصبياننا صيام؟ فضربه"أي جلدَه حدّ الخمر، وهذا الأثر وصله سعيد بن منصور في سننه [2] .
إن صوم الصغار والصبيان هدى حسَن وسنّة سلفية وتربية جادّة، وقد استحب جماعة من السلف صوم الصبيان منهم: ابن سيرين والزهري، وقال به الشافعي، أنهم يؤمَرون به للتمرين عليه إذا أطاقوه [3] ، وقد حّده بعضهم بسنّ معينة، والصواب أنهم متى ما أطاقوا أُمروا بالصوم تعويدًا لهم.
إن أبناءكم ـ أيها الآباء ـ أمانة في أعناقكم، فارعوا هذه الأمانة وقوموا بما ينبغي تجاهها، فالله تعالى سائلكم ومحاسبكم عمّا استرعاكم.
قال صلى الله عليه وسلم: (كُلّكم راعٍ وكلُّكم مسؤولٌ عن رعّيته) [4] .
"إن قلب الابن الصغير نقيّ طاهر، وهو جوهرة نفيسة خالية عن كل نقش وصورة، وهو قابل لكل ما نُقش، ومائلٌ إلى كل ما يُمال به إليه، فإن عُوِّد الخير وعُلِّمه نشأ عليه وسعد في الدنيا والآخرة، وشاركه في ثوابه أبوه وكل معلِّم له ومؤدِّب، وإن عُوِّد الشر وأُهمل إهمال البهائم شقي وهلك، وكان الوزر في رقبة القيّم عليه والوالي له، وقد قال عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا} [التحريم: 6] ."
ومهما كان الأب يصونه عن نار الدنيا فبأن يصونه عن نار الآخرة أولى، وصيانته بأن يؤدبه ويهذّبه، ويعلمه محاسن الأخلاق، ويحفظه من القرناء السوء، ولا يعوّده التنعّم ولا يحبب إليه الزينة والرفاهية، فيضيع عمره في طلبها إذا كبر فيهلك هلاك الأبد" [5] ."
إنه لَمُرَبٍّ صالح وقيّم ناجح ذلك الأب الذي غرس حب الصيام في نفوس بنيه منذ الصغر، إذ أن الصيام مدرسة وتعليم، حوى من المعاني الحسَنة والحِكَم الجليلة والفوائد النبيلة ما لو تحققت في صيامنا لانتفع بها أبناؤنا وصغارنا.
إننا في رمضان نربي أبناءنا على الصيام ونحبّبهم إليه، ولا نكتفي بذلك فحسب، بل نبيّن لهم أن رمضان موسم خير ورحمة لا يصلح فيه شيء من اللعب واللهو، والأحرى بنا فيه أن نتسابق إلى الخيرات والباقيات الصالحات، فيشهد الصغار مع آبائهم التراويح ويقرأون القرآن، ويستمعون الذكر ويعيشون المعروف والإحسان.
عندئذٍ ترقى عقول هؤلاء الصبِّية، وتكبر نفوسهم، وتتسع مداركهم وتعلو هممهم، فلقد أصبحوا على أساس من التربية متين، وبناءٍ من الخير والخلُق العظيم.
وحول الصبيان في رمضان وصومهم ثمّة تنبيهات مهمة:
1 -هناك آباء لا يُشِركون أبناءهم في فرحتهم برمضان والابتهاج
به، ولا يحسّسونهم بدخوله وأهميته وما ينبغي فيه، وهذا
لا ريب أنه خطأ يجب تداركه، لأن صيام رمضان من شعائر الدين المباركة التي يجب أن تظهر وتبرز في كل مكان يُعبد الله تعالى فيه، ونحن إذ نذكّر أبناءنا المميزين بدخول رمضان لكي يفرحوا به مثلنا، إنما نربّيهم على تعظيم أركان الإسلام وإجلال شعائر المِلّة.
(1) البخاري (1960) ، ومسلم (1136) .
(2) البخاري (2/ 48) .
(3) فتح الباري (4/ 236) .
(4) البخاري (893) ، ومسلم (1829) عن ابن عمر رضي الله عنه.
(5) الإحياء (2/ 78) .