الصفحة 72 من 75

الثانية: إن المحاسن التي جنتها النفوس المسلمة في رمضان ينبغي أن تكون طريقًا للزيادة والمضاعفة، وسلّمًا للمجد والعلاء، وليس التقاعس والانقلاب. ففترة رمضان كانت تربية إيمانية على الخير وفضائل الأعمال ن ذاق حلاوتها أهلها، الذين لا يحبون زوالها أو ضعفها، وهذا مما يجعلهم يعقدون العزم على تثبيتها وترسيخها، حتى تستحكم في قلوبهم وتخالط دماءهم، فهي زادهم وغذاؤهم وأُنسهم وسعادتهم.

الثالثة: يخطيء كثيرون عندما يظنون أن السباق في العبادة خاص برمضان، فيحصل لهم من العمل والجد والعطاء فيه بدرجة كبيرة، فإذا رحل رمضان رحلت طاعاتهم وخيراتهم، وركنوا إلى ملاذهم وشهواتهم، وهذا أمرٌ خطير يُنبيء عن جهالة وسفاهة من أولئك القوم، فقد طمسوا خيرهم وظلموا أنفسهم، والله المستعان.

"اللهم إنا نسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحُبّ المساكين، وأن تغفر لنا وترحمنا، وإذا أردت بعبادك فتنة فاقبضنا إليك غير مفتونين" [1] .

{30} العِيدُ

أيها الأخوة الفُضَلاء:

العيد مسمّىً جميل، ومعنى نبيل، فيه الحب والإخاء والبهجة والصفاء، والتضامن والوفاء، والعيد عنوان المودة والوئام وبذل الخير والسلام وشعار القوة والالتحام.

الأعياد معالم أفراح الأمم، وشعارات اجتماعها وبقائها وانضمامها، فيها فرح وسرور، وتزاوُر وتحابّ، وتقارُب وتوادّ، هل ظننتمُ أن العيد تعاظُم وتفاخُر أو ملابس ونمارق أو لهو دائم كلاّ والله!، العيد حمدٌ وشُكران، وبذل وإحسان وتواضع وامتنان.

أيها الأخوة الفضلاء:

في العيد مسائل وأحكام مهمة ينبغي التنبّه لها:

أولًا ـ صلاة العيد:

صلاة العيد من شعائر الدين الطاهرة ومعالمه الظاهرة، وهي مشروعة بالكتاب والسنّة والإجماع، أما الكتاب فقوله تعالى: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} [الكوثر: 2] فالمشهور في تفسيرها أن المراد بها صلاة العيد، وهذا منقول عن عكرمة وعطاء وقتادة كما في معالم التنزيل للبغوي رحمه الله [2] .

وأما السنّة فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم بالتواتر أنه كان يصلي العيدين، ففي المتفق عليه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (شهِدتُ العيد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان ـ رضي الله عنهم ـ فكلّهم كانوا يصّلون قبل الخطبة) [3] .

وأجمع المسلمون على مشروعية صلاة العيدين، وأكثر الفقهاء على أنها ليست بواجبة، وذهب جماعة من أهل العلم إلى أنها واجبة يتعين الخروج لها، وهو مذهب أبي حنيفة [4] واختاره ابن تيمية وابن القيم وغيرهما من العلماء المحقّقين. رحم الله الجميع.

ومما يدل على ذلك ويؤكده أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر النساء بالخروج إلى العيد حتى الحُيّض اللواتي لا تلزمهنَ الصلاة بل تحرم عليهنّ حال الحيض، ففي الصحيحين من حديث أم عطية رضي الله عنها قالت:"أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نخرجهنّ في الفطر والأضحى العواتق والحُيّض وذوات الخدور، فأما الحُيّض فيعتزلن الصلاة ويشهدن الخير ودعوة المسلمين، قلت: يا رسول الله: إحدانا لا يكون لها جلباب، قال: (لِتُلبسها أختها من جلبابها) [5] وهذا لفظ مسلم، وفي لفظ له:"كنا نُؤمر بالخروج في العيدين والمخبّأة والبكر، قالت: الحُيّض يخرجن فيكُنّ خلف الناس يكبّرن مع الناس"."

فهذا الحديث صريح في وجوب خروج النساء للعيد، وهنّ مَن هنّ في حصول الضعف والشغل والفتنة، فالرجال آكّد وأوجب، وفي حديث عمرة بنت رواحة في المسند وهو حديث صحيح قال صلى الله عليه وسلم: (وجب الخروج على كل ذات نطاق) [6] .

وفي الحديث مشروعية خروج النساء للعيدين، وقد اختلف السلف في ذلك، فممن أوجبه عليهنّ أبو بكر وعليّ وابن عمر وغيرهم، ومنهم مَن ذلك كعروة والقاسم ومالك وأبي يوسف [7] .

وقال فقهاء الشافعية: يستحب النساء غير ذوات الهيئات حضور صلاة العيد، وأما ذوات الهيئات وهنّ اللاتي يشتهين لجمالهنّ فيُكره حضورهنّ [8] وهذا رأي الحنابلة أيضًا، قال الشافعي: أحب شهود النساء العجائز وغير ذوات الهيئات الصلاة والأعياد وأنا لشهودهنّ الأعياد أشد استحبابًا مني لشهودهنّ غيرها من الصلوات المكتوبات [9] .

(1) أحمد في المسند (5/ 243) ، والترمذي (3233) عن معاذ رضي الله عنه، وهو حديث صحيح، صححه البخاري والترمذي رحمهما الله تعالى.

(2) معالم التنزيل (8/ 559) .

(3) البخاري (962) ، ومسلم (884) .

(4) انظر المبسوط (2/ 37) ، وبدائع الصنائع (2/ 695) .

(5) البخاري (974) ، ومسلم (890) ، ومعنى قوله: العواتق: جمع عاتق وهي الجارية البالغة وسُمّيت عاتقة لأنها من امتهانها في الخدمة والخروج في الحوائج، و (الخدور) البيوت، وقيل: الخدر: ستر يكون في ناحية البيت و (المخبأة) هي بمعنى الخدر.

(6) أحمد (6/ 358) .

(7) شرح النووي على مسلم (3/ 446) .

(8) المجموع (5/ 9) .

(9) الأم للشافعي (1/ 400) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت