الصفحة 73 من 75

وأجاب فقهاء الشافعية على حديث أم عطية السابق أن المفسدة في ذلك الزمن كانت مأمونة بخلاف اليوم، ولهذا صح عن عائشة رضي الله عنها قالت:"لو رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أحدث النساء لمنعهنّ المساجد كما مُنعت نساء بني إسرائيل" [1] أخرجاه، وما أجابوا به فيه نظر لعموم حديث أم عطية، وقد أفتت به ولا يُعرف لها مخالف من الصحابة في ذلك.

وخروجهنّ للعيدين مشروط بعدم وقوع المفسدة وأمن الفتنة، ويخرجنَ متحجبّات وبلا طيب وزينة ومزاحمة للرجال، وأما حديث عائشة فليس صريحًا في المعارضة، وعلى فرض معارضته لحديث أم عطية فيُحمل على أن المنع يكون عند وقوع المفسدة.

فالصواب مشروعية خروج النساء للعيدين، وهو الذي مال إليه حذام المحدّثين الحافظ ابن حجر وخالفَ بذلك فقهاء الشافعية استنادًا على الحديث الصريح في ذلك، فرحمه الله وأجزل مثوبته [2] .

ومما يتعلق بصلاة العيد أن المشروع فيها أن تكون قبل الخطبة، هذا هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم كما ثبت ذلك عن غير واحد من الصحابة كابن عباس وابن عمر وأبي سعيد [3] وغيره من الصحابة على مروان بن الحكم الأموي تبديل ذلك وتغييره وعدُّوهُ مخالفة للسنّة [4] .

ويستحب للإمام في صلاة العيد أن يكبر سبعًا في الركعة الأولى، وخمسًا في الثانية، قال أبو عمر بن عبد البرّ: روى ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم من طرق كثيرة حِسان منها: حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، ومن حديث جابر بن عبد الله رواه ابن لهيعة عن أبي الزبير عن جابر، ثم ذكر بقية الطرق [5] .

وأما القراءة في صلاة العيد فقد روى مالك في الموطأ ومسلم في صحيحه أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سأل أبا واقد الليثي ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الأضحى والفطر فقال: كان يقرأ بـ {ق وَالْقُرْآنِ المَجِيدِ} [ق: 1] و {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ القَمَرُ} [القمر: 1] [6] ، وأكثر ما رُوي وتواتر به طرق الحديث كان يقرأ في العيدين بـ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى} [الأعلى: 1] و {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الغَاشِيَةِ} [الغاشية: 1] رُوي هذا عنه من حديث النعمان بن بشير، وحديث سمرة بن جندب وحديث

ابن عباس، وحديث أنس، وهي كلها عند ابن أبي شيبة

وعبد الرزاق [7] .

ثم بعد الصلاة يُشرع خطبة العيد، واستحب أكثر الفقهاء افتتاح الأولى بتسع تكبيرات والثانية بسبع.

وردّ ذلك ابن القيم ـ رحمه الله ـ فقال:"وكان يفتتح خُطبةُ كلها بالحمد لله، ولم يُحفظ عنه في حديث واحد أنه كان يفتتح خطبتي العيدين بالتكبير" [8] ، ونقل تصويب ذلك عن ابن تيمية واستدل بحديث رواه أحمد وأبو دواد وهو قوله:"كلُّ أمر ذي بال لا يُبدأ فيه بحمد الله فهو أجذم"وهذا الحديث ضعيف وهو من مراسيل الزهري.

ويستحب للذاهب إلى العيد أمور:

1 -الاغتسال لصلاة العيد، فقد ثبت عن ابن عمر مع تحرّيه للسنّة أنه كان يغتسل يوم الفطر قبل أن يغدو إلى المصلَّى رواه مالك وسنده صحيح [9] . وفي الاغتسال للصلاة أحاديث مرفوعة كلها لا تصح ضعفها النووي وابن القيم وغيرهما [10] ، وأخرج الفريابي عن سعيد بن المسيب أنه قال:"سنّة الفطر ثلاث: المشي إلى المصلَّى، والأكل قبل الخروج، والاغتسال".

قال أبو عمر ابن عبد البر رحمه الله:"واتفق الفقهاء على أنه حسنٌ لمن فعله والطِّيب يجري عندهم منه ومَن جمعهما فهو أفضل [11] ، وأيضًا حكى أبو زكريا النواوي رحمه الله اتفاق العلماء على استحباب الغسل للعيدين [12] ."

2 -يستحب التجمّل وأخذ الزينة بلبس أحسن ما لديه، ثبت في الصحيحين وبوّب له البخاري في صحيحه"باب في العيدين والتجمّل فيه"عن ابن عمر رضي الله عنهما أخذ جبّة من استبرق تُباع في السوق فأخذها فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله: ابتعْ هذه تجمّل بها للعيد والوفود، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنّما هذه لِباس مَن لا خلاق له) [13] .

وفي الحديث إقرار لعمر على أصل التجمّل، وإنما زجره عن الجبّة لكونها كانت حريرًا.

وروى ابن أبي الدنيا والبيهقي بإسنادٍ صحيح إلى ابن عمر:"أنه كان يلبس أحسن ثيابه في العيدين" [14] .

وينبغي للإمام أهل العلم والفضل الاعتناء بذلك دون مبالغة لأنهم المنظور إليهم، وفي ذلك إعزاز للشريعة، وإظهار عظمة الدين، وشكر الله تعالى على نعمه وفضله، قال بعضهم:

(1) البخاري (869) ، ومسلم (445) .

(2) انظر فتح الباري (2/ 470 - 471) .

(3) البخاري (962) ، (957) ، ومسلم (886) ، (888) .

(4) البخاري (956) ، ومسلم (889) .

(5) الاستذكار (7/ 49) .

(6) مالك (1/ 180) ، ومسلم (891) .

(7) حديث النعمان بن بشير في مسلم (878) وانظر الاستذكار (7/ 46) .

(8) زاد المعاد (1/ 447 - 448) .

(9) الموطأ (1/ 177) .

(10) المجموع (5/ 7) .

(11) الاستذكار (7/ 11) .

(12) المجموع (5/ 7) .

(13) البخاري (948) .

(14) البيهقي (3/ 281) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت