فهرس الكتاب
أي: فهلا يتدبر هؤلاء المعرضون لكتاب الله ، ويتأملونه حق التأمل ، فإنهم لو تدبروه ، لدلهم على كل خير ، ولحذرهم من كل شر ، ولملأ قلوبهم من الإيمان ، وأفئدتهم من الإيقان . ولأوصلهم إلى المطالب العالية ، والمواهب الغالية ، ولبين لهم الطريق الموصلة إلى الله ، وإلى جنته ومكملاتها ومفسداتها ، والطريق الموصلة إلى العذاب ، وبأي شيء يحذر . ولعرفهم بربهم ، وأسمائه وصفاته ، وإحسانه ، ولشوقهم إلى الثواب الجزيل ، ورهبهم من العقاب الوبيل .
"أم على قلوب أقفالها"
، أي: قد أغلق على ما فيها من الإعراض والغفلة والاعتراض ، وأقفلت ، فلا يدخلها خير أبدا ؟ هذا هو الواقع .
-وقال الشوكاني رحمه الله
(فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم) "هذا خطاب للذين في قلوبهم مرض بطريق الالتفات لمزيد التوبيخ والتقريع. قال الكلبي: أي فهل عسيتم إن توليتم أمر الأمة أن تفسدوا في الأرض بالظلم. وقال كعب"أن تفسدوا في الأرض"أي بقتل بعضكم بعضًا، وقال قتادة: إن توليتم عن طاعة كتاب الله عز وجل أن تفسدوا في الأرض بسفك الدماء وتقطعوا أرحامكم. وقال ابن جريح: إن توليتم عن الطاعة، وقيل أعرضتم عن القتال وفارقتم أحكامه. قرأ الجمهور"توليتم"مبنيًا للفاعل، وقرأ علي بن أبي طالب بضم التاء والواو وكسر اللام مبنيًا للمفعول، وبها قرأ ابن أبي إسحاق وورش عن يعقوب، ومعناها فهل عسيتم إن ولي عليكم ولاة جائرين أن تخرجوا عليهم في الفتنة وتحاربوهم وتقطعوا أرحامكم بالبغي والظلم والقتل. وقرأ الجمهور"وتقطعوا"بالتشديد على التكثير، وقرأ أبو عمرو في رواية عنه وسلام وعيسى ويعقوب بالتخفيف من القطع يقال: عسيت أن أفعل كذا، وعسيت بالفتح والكسر لغتان، ذكره الجوهري وغيره، وخبر عسيتم هو أن تفسدوا، والجملة الشرطية بينهما اعتراض."
والإشارة بقوله"أولئك"إلى المخاطبين بما تقدم وهو مبتدأ وخبره:"الذين لعنهم الله": أي أبعدهم من رحمته وطردهم عنها"فأصمهم"عن استماع الحق"وأعمى أبصارهم"عن مشاهدة ما يستدلون به على التوحيد والبعث وحقية سائر ما دعاهم إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم.