الشيخ محمد صالح المنجد
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره. ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضلّ له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد,,,
فإن الله سبحانه وتعالى جعل القلب قائدًا للبدن، وجعل العقل في القلب، ومن الناس لهم قلوب لا يعقلون بها، ومن الناس من يعقل آيات الله تعالى والوحي الذي أنزله على نبيه صلى الله عليه وسلم. ولما كان القلب للبدن كالملك، والأعضاء جنودًا تأتمر بأمره كانت المحافظة على القلب في غاية الأهمية لأن هذا القلب إذا صار سليمًا نقيًا معمورًا بذكر الله استقامت حال الإنسان، وإذا صار القلب مدنسًا ملطخًا فيه نكتةٌ سوداء جرّاء المعصية تتبعها نكتةٌ أخرى حتى يصبح أسود مربادًا كالكوز مجخيًا، مقلوبًا منكوسًا، لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا. حتى يكون القلب مطمئنًا لا بد من المحافظة عليه، ومراقبة ما يدخل إليه.
وأعظم طريقٍ للقلب هو السمع. والقلوب والسرائر خزائن، ولا منفذ للقلوب إلا من دهليز السماع، ولا منفذ للقلوب إلا من دهليز الأسماع، فهي أعظم طريق. والسماع للقلب محكٌ صادق، ومعيارٌ ناطق. وقد قال تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} (قّ:37) . ولذلك فإن السمع أوّل عضوٍ يؤدّي وظيفته عند خروج الطفل إلى الدنيا، فيسمع بأذنه بخلاف العين، فإنها في البداية لا تؤدّي مهمتها. وإذا نام الإنسان فكل شيءٍ يسكن فيه إلا سمعه. ولذلك لما أراد الله تعالى أن يمكث أهل الكهف مئات السنين في كهفهم {فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا} (الكهف:11) . وهذا السمع عظيم وخطره جسيم، وأول ما ينبغي أن يطرق سمع المولود ذكر الله تعالى. {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ} (النحل: من الآية78) . قدّم السمع على البصر، وكذلك في قوله {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا} (الاسراء: من الآية36) . وفي قوله {وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً} (الاحقاف: من الآية26) . وفي قوله {وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ} (المؤمنون: من الآية78) . وكان من دعائه صلى الله عليه وسلم: سجد وجهي لمن خلقه، وشق سمعه وبصره بحوله وقوته. رواه مسلم. فالسّمع هو الأذن لا تنام، والشيء الذي لا ينام أرقى من الشيء الذي ينام، ولذلك لا تنام الأذن بينما تنام العين. هذه الأذن التي تعمل وظيفتها في الليل والنهار، والضوء والظلام، وفي سائر الأحوال، إنها طريقٌ ومنفذٌ مباشرٌ إلى القلب، بها يتأثّر، فإذا أوصلت إليه النافع صار حيًا، وإذا أوصلت إليه الفاسد صار ضارًا مفسدًا. فعليها -أي على الأذن- قوامه -قوام القلب- وصلاحه. وقد قال الله سبحانه وتعالى مبينًا أهمية السمع ومسؤوليّة الإنسان عن سمعه إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ