الصفحة 2 من 9

مَسْؤُولًا (الاسراء: من الآية36) . فأنت مسؤولٌ يا عبد الله، وكذلك أمة الله عن السمع لأن به انتفاع القلب وخيره، أو فساده وشره.

وقد قال الله سبحانه وتعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} (لقمان: من الآية6) . فذكر تعالى الذين يهتدون بكتابه وعطف بعد ذلك بذكر حال الأشقياء الذين أعرضوا عن الانتفاع بسماع كلامه، وأقبلوا على سماع ما يضرّ. قال ابن كثيرٍ رحمه الله في تفسير الآية: عطف بذكر حال الأشقياء الذين أعرضوا عن الانتفاع بسماع كلام الله، وأقبلوا على استماع المزامير والغناء بالألحان وآلات الطرب. وقد جاء عن ابن عباس رضي الله عنه في تفسير له الحديث: هو الباطل والغناء. وقد سُئل ابن مسعود رضي الله عنه عن الآية: فقال الغناء والله الذي لا إله إلا هو. يعني هو لهو الحديث المذكور في الآية. ردّدها ثلاث مرات. لهو الحديث. وكذلك قال العلماء في قوله تعالى: {وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ} (الاسراء: من الآية64) . فما هو صوت الشيطان؟ {وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ} هل تسمع يا عبد الله صوت الشيطان؟ فما هو صوته إذًا؟ قال العلماء: اللهو والغناء. هذا عن مجاهد وغيره من أهل العلم. وقال تعالى موبّخًا للكفرة: {أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ* وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ* وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ} (لنجم:59 - 61) . قال عكرمة عن ابن عباس: السُّمود لغةٌ يمانية يعني الغناء، يقال: اسمدي لنا، أي غني لنا. فهذا الغناء إذًا هو صوت الشيطان، وهو الغناء الذي انشغل به الكفّار وعكفوا عليه {وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ} (لنجم:61) . وهو لهو الحديث الذي يُضل عن سبيل الله.

وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن وعيد قومٍ فقال: ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف. ولينزلن أقوامٌ إلى جنب علمٍ يروح عليهم بسارحةٍ لهم، يأتيهم -يعني الفقير لحاجة- فيقولون: ارجع إلينا غدًا. فيبيتهم الله ويضع العلم ويمسخ آخرين قردةً وخنازير إلى يوم القيام [1] . فهذه المعازف جمع معزفة وهي الآلة التي يُعزف بها. وقد دل الحديث على تحريم المعازف من وجهين أولهما: قوله عليه الصلاة والسلام: يستحلونه. فإنه صريحٌ بأن المذكورات ومنها المعازف محرمةٌ في الشرع. وثانيهما: أنه قرن المعازف بما حرمته معلومة بالضرورة وهو الزنا والخمر. ولو لم تكن المعازف محرمة لما قرنها بهذه المحرمات. أخبرنا عن قومٍ يستحلون الحِرَ: يعني الفرج وهو الزنا. والحرير: للرجال وهو محرم. والمعازف: آلات الملاهي، أصوات الملاهي والمعازف. هؤلاء سينزل منهم أقوامٌ إلى جنب علم، قيل الجبل العالي وقيل البناء العالي. يروح عليهم: أي الراعي، بسارحةٍ: يعني من غنمٍ ونحوه، فيأيتهم الفقير يقولون: تعال غدًا. فماذا يحدث في الليل؟ يبيتهم الله: يهلكهم ليلًا، والتبييت هو هجوم العدو بالليل. ويضع العلم: أي يوقع عليهم البناء، أو يوقع عليهم الجبل، فيدكدكه فوقهم ويمسخ آخرين قردةً وخنازير؛ فمن لم يهلك بهذا الهدم فوق رأسه مُسخَ قردًا أو خنزيرًا. فهذا يدلّ على خطورة الاستماع على المعازف واستحلالها واعتقاد حلها وهي حرام.

(1) علقه البخاري في صحيحه بصيغة الجزم، وقد وصله الحافظ من رواية تسعة عن شيخ البخاري رحمه الله. وقال: وهذا حديثٌ صحيحٌ لا علة له، ولا مطعن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت