عبد الفتاح عبد الولي
عبد الفتاح عبد الولي
سُقَمَةْ حارات
-قصص قصيرة -
من منشورات اتحاد الكتاب العرب
الحقوق كافة
محفوظة
لاتحاد الكتّاب العرب
تصميم الغلاف للفنانة: خولة الخطيب
القُبْلَةُ
عندما أشرقت شمس قرية الصَّفافة، كفَّ الديك عن الصياح، فيما استمرت العصافير تزقزق بسرور"فرحانة بالنور...ماأجمل الضياء".
كان الهواء طريًا يعبق برائحة التراب حتى ليمكن جس نبضات قلوبه. حملت النسائم صوت رباب المخملي. كانت تغني في شبّاكِ دارها.
صباحُ ساحر..
من الوديان طلعت كثبان الغمام مثل أسراب جراد دخانية، التهمت الجبال وطردت أشعة الشمس، ثم زحفت تحتل القرى. استسلمت قرية الصفافة للغمام بدون مقاومة. وقف الأطفال فوق سطوح الدُّور يرحبون بالغمامة، خبأوا آذانهم تحت الكوافي، وأصابعهم تحت أكمام قمصانهم المٌقلَّمة حتى لاتأكلها فئران الغمامة الرمادية.
حالما أناخت الغمام إبلها، خرج الأطفال يطاردون الحمائم الصغيرة في الطريق، وبين الزرع. كل من يظفر بفتاةٍ، ينال قبلة طازجة على الخد، تحت جنح الضباب الكثيف.
سار عود الحنَّاء يجر الخطى كأعمى، كان يتعثر حينًا بحجر وحينًا آخر يصطدم بشجرة أو بجذع شجرة يابس أو بحائط حجري. كان يجيد حد الدهشة تقليد أصوات الناس والحيوانات والطيور. قَلَّدَ أصوات بنات القرية اللآتي كان يحنُّ للقاء بهن تحت أجنحة الغمامة، عَلَّ إحداهن تستدل على مكانه، وتأتي لتنال الجائزة. كان يعرف أن ذلك مستحيل، وأنه ليس من قواعد اللُّعبة، ومع ذلك تمنى. انتفض الطير الأبيض داخل قفصه الصدري، ومعالم الطريق أخذت تذوي أمام عينيه. قضى وقتًا طويلًا يبحث عن صبية، بيدّ أنه لم يفلح حتى في اصطياد فراشة رغم مابذله من جهد في البحث. بين الفينة والأخرى كان يسمع ضحكات صبيان وبنات، حتى أنه استطاع أن يميز قهقهات البنت المُمْخِطَة زعفران، وتذكر أنه قبَّلها في العام المنصرم بين الزرع. تملكهُ الغم وازداد غيظًا على غيظ حينما سمع الخبجة يكركر كالقرد السمين.
استجمع قواه وراح يجري أينما اتفق، لاتهمة الجهات لأنها لاترى في هذا الصباح الغائم. انصبَّ كل همهِ في الحصول على خدٍّ يطبع عليه قبلة الغمام، أي خد، حتى لو كان خد عجوز. ضحك كما يضحك تيس الفقيه بعد النزول عن ظهر عنزة. وقع فجأة وهو يضحك... شاكَتهُ أشواك زَرْبَةٍ شرسةٍ، شعر بآلام حادة في أنحاء متفرقة من جسده.