فهرس الكتاب
-"الله.. الله. يالطيف."
ذاب الهمس وصمت الصمت في بيت الحاج.
يتنحنحُ الضيف ويمشط الأبواب والزوايا والكوات وشقوق الجدران وتلك الأمكنة التي لاترى بغمازتي عينيه المُخَرمَصَتين. صرَّار الليل يشرخ زجاج المساء.."الله. الله. يالطيف ألطف."..
أحضرَ طعام العشاء..
في الطست يغسل الضيف عروق يديه وفي داخل الطست يبصق."اللهم اشبع جوعنا وجوع موتانا. باسم الله..". يغمسُ لقم الملوج بالسلتة، يأكل القشمي مع الحامضة، يلتهم الرز والباميا، ينهش اللحم البقري. يسقط طقم الأسنان.. ياساتر. تجشأ صائم الدهر كبوق التتر.."الحمد لله".. سفره دائمة ياحاج."!!. يزيح العمامة المتسخة الحافة إلى فوق جبينهِ ويمسح الدَّسم على صلعته الملساء وعلى لحيته المصبوغة بالحناء وعلى الساقين المعوجين."
-"نحمد الله على نعمة."
يرتشفُ القهوة بصوت مسموع. من جوفه وعبر فوهة حلقه المزمومة انطلقت الكلمات، زخات، زخات. عن أطلاله تحدث وعن أملاكه أسهب في الحديث وتحدث طويلًا عن زهده وورعه وكراماته.
-"أرى أن قلبك أخضر ياحاج، مثل قلبي."
-"وماذا عن زوجاتك الثلاث ياضيفنا؟."
-عجاف ياحاج.""
-"أنت متأكد من..."
-"أي بالله، رغوة عسل وبذر فجل مدقوق، يعقدُ على نارٍ لينةٍ ويعلقُ منهُ على الريق وعند النوم.. إبن المائة يعود ابن عشر. ووصفات أخرى مجربة.. أي، بالله."
-"تخيروا لنطفكم..."
-"وقد اخترتُ لي واحدة تُخَضِّرُ القلب ولكَ مثلها ياحاج."
-"ياسبحان الله. بهذا العُمر. العطيفُ بدون علجٍ ياضيفنا."
-"سيعادُ العلجُ إلى عطيفهِ بمشيئة الله إذا وافقتم."
-"على ماذا؟!".
-لكم زعكمة بنتي، ولي بهيَّة.""
-"بهيَّة!!"
-"على سُنَّة الله ورسوله. المهر حسب الإتفاق والبيت الشرعي مستقل عن الضرات. وأحب اللآليْ إلى قلوبكم مالم يثقبُ... الفاتحة."
نظرت بهيَّة إلى النافذة العالية. للنافذة قضبان صدئة ونظرت إلى العنكبوت. اعتلى العنكب ظهر صاحبته وبعد أن أكمل المهمة فرَّ من بين أنياب شبقها. خلف خيمة العنكب مرت سحابة تطوي الأفق.
قالت بهية:
-"ياليتني سحابة."
مرَّت قُبَّرة في الفضاء.
قالت بهية:
-ياليتني قبَّرة.""
انكفأت المدينة تحت خاصرة الليل. المنازل أسرى يزاحم بعضها بعضًا والأضواء تتشنج خلف زجاج القمريات والشوارع ترتبك بين الأوحال. ينفض طائر الدَّان طحالب الليل عن ريشه ويطير في الفضاء الفسيح بدون أجنحة.
المعركة..
انذار مبكر...
عندما يأتي المساء
تنطفئ عوسجة الدّم