فهرس الكتاب

الصفحة 29 من 51

وتذبل نجمة الأعصاب

عندما يحل الليل

يستيقظ (الطّاهش)

في شوارع المدن الهرمة

في يوم مطير خرج عبد الحبيب يقتفي آثار حبيبته التي غادرت المنزل منذ زمن بعيد لشراء فستان الزفاف ولم تعد. كانت الشوارعُ موحلةً والطين الزجُ من عسل الحديد. المطر يهطل عنيفًا وعبد الحبيب لم يتمكن من انتزاع قدميه من شراك مصيدة الطين.

إنها إبرة الأرق توشمُ المرأة التي فقدت صوابها يوم عاد زوجُها من عمله الليلي، حين اصطادت عينيها شعرة شقراء كانت ملتصقة بمعطف الزوج.

في غرفة النوم اندلعت أشرسُ معركة استخدمت فيها مختلف اسحلة الدّمار. رصاص اللسان -شرار نار- يحرق الأخضر واليابس. سهام الأظفار السَّامة ومناشير الأسنان القاطعة. ضحك الزوج في وقتٍ لاحق، عندما أخبرهُ الطبيب عن احتمال إصابته بالسُّعار.

الشاهد الوحيد الذي سمع كل شيء دار وقت المعركة كانت دُرَّة، وهي ببغاء فصيحة، كان الزوج قد أهداها لزوجة المصون في مناسبةٍ جد عزيزة.

-"أنت طالق". عبارة منغصة ترددها الببغاءُ ثلاث مراتٍ في اليوم، منذ أن هجر الزوج عشهُ راميًا بالثلاث الأثافي.

ذات ليلة، بينما كانت درة تردد"أنت طالق.. أنت.. أنت.."غامت الدنيا امام عيني الزوجة. لطمت خديها وشدت شعرها، ثم صبت صواعق غضبها على الطائر حتى كادت تقصم رقبته، فانقذهُ فاعل خير أرمل، تدخل في الوقت المناسب واقنع المرأة الغاضبة أن تبيعهُ الببغاء حتى تتخلص من ذلاقة لسانها.

المرأة المطلَّقةُ لم يغمض لها جَفْن منذ أن ترك زوجها المنزلُ. تجلسُ الآن أمام مرآتها، تعضُّ على بنان الأسف بنواجذها، لأنها تأكدت اليوم فقط أن الشعرة الشقراء التي رأتها على كتف معطف زوجها تنتمي أصلًا إلى فصيل شعرها المستعار الذي لبستهُ في اليوم الذي سبق معركة الغيرة.

يتقشر طلاء الجدران. يعلو الغبارُ صدور السرر الخالية. المنافضُ تطفحُ بأعقاب السجائر ورمادها القديم. ستائر النوافذ. مهترئة فقدت الوانها. جذعُ شجرة الطَّنِب في وسط الصالةِ تيبَّسَ من البرد. الأزهار خَرَّت ساجدة في الأصص والأقفالُ صَدئَت. متى يعود أهل الدار؟!. كل الطائرات التي تمر في السماء والسفن التي ترسو في الموانئ والسياراتُ التي تمرقُ من أمام الباب، فارغة.. فارغة. الملابسُ في الدَّواليب تتوقُ إلى روائح من غادروا. فقط، هناك صورٌ لأهل الدَّار علقت على جدران صالة الإستقبال.. تبتسم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت