فهرس الكتاب
أجاب أحدهم بصوتٍ متهكم:
-إنها تقليعة قديمة ياأستاذ، وخارج المقرر الدراسي.
لم أعرهُ انتباهًا. بقيت انتظر كابتًا حنقي وآلام تقلصات المعدة التي انتابتني فجأة.
مرَّ بعض الوقت دون أن ترتفع أي اصبع للاجابة عندئذ عصرني اليأس في معصرته فتقطر العرق من جبيني وفيما كنتُ أهم بالقاء كلمة في وداع العام المدرسي رأيتُ يد فتاةٍ تترددُ في الهواء، فقلتُ بعجلٍ:
-تحدَّثي ياقمر.
وقفت وقالت بصوتٍ حَيِيْ:
-السُّقَمَة وجمعها سُقَم: شجر عظام لهُ ثمر مثل التين إذا اخضرَّ فإنما هو حجر صلابة فإذا أدرك اصفر شيئًا فشيئًا وحلا حلاوة شديدة وهو طيِّبُ الريح يتهادى.... أشارت إلى السُّقَمة التي تستظل المدرسة بظلها ومضت تقول: وفي سُقَمَةِ حارات قال جدنا ريحان:
عند ملتقى الرَّياح التي تهبُ من كل اتجاه
برأس الأكمة حيثُ يسطعُ النور
تقفُ سُقَمَة عُمرِيَّة كأنها الحكمة
ترصد السحب والمواسم والوجوه
التي تمرق من أمامها كاللمحة
لاتتحسر على ماضٍ فات
ولايصيبها الحاضر بالاغماء
في نُجُبِ جذورها
تدفن النذور والتمائم
وتحت ظلها تعقد المواثيق
وتقام طقوس الماء والنار
الحصاد والسفاد والبذار
لحاؤها دواء لكل عله
وفي ثمارها السر كله.
ارتعشت أغصان السُّقَمَة..
رنَّ الجرس فداس الضجيج على رئته..
تجَّمع الطلاب تحت السُّقَمَةِ وطافوا حولها طواف الوداع وهم يرددون نشيد حبهم:
ياسُقمهْ ... ياعاليهْ
ياأمنا ... ياغالية
وياقمرْ ... قُمِّيريَة
ياسراج ... الَّليلِيَة
سرجنا ... فوق الغمام
سربنا ... سرب الحمام
دُقَّوا القرنفل
دُقَّوا الهيلَ
نور السُّقَمَة
أضاء الليل
شخصت وجوههم إلى ثمار السُّقَمَة الناضجة...
اهتزت أهداب الشجرة وصفقت أوراقها. أحاطت بها هالات فسفورية وانسكب النور على عيونهم. تبادلوا اشارات مرحة فيما بينهم تَنُّم عن فهمهم لغة السُّقَمَة بعدئذ هتفوا جذلين:"أنتِ السُّقَمَة.. نحن الأغصان. ثم تفرقت بهم الطريق."