فهرس الكتاب
عندما بلغت قمر قمة المنحدر الصخري المؤدي إلى القرية ناداها صوت رخيم فرجفت حمامة قلبها وتجمدت فوق الصَّفا، عبقت الورود المرسومة على قميصها، الشِّيت، فعطرت الأرجاء. بعد مضي وقت قصير شَّدتها قوة غريبة إلى الخلف وعادت القهقري تمشي فوق خيط نميم من الدخان الوردي ولم يرجع إليها رشدها إلاَّ حينما ارتطمت بجذع السُّقَمَة عند ذلك تلفتت في كل الاتجاهات وهي تمسح الغشاوة من عينيها لكنها لم تجد حتى أثرًا لصاحب الصوت الذي نادها فسألت نفسها المنزعجة..."أشبح الأكمة؟."هتفت بفزع.."أتراهُ القُطرب؟!"بيد أنها تذكرت قول الجد ريحان بأن السُّقَمَة لاتمكن الجان من الاقتراب منها فهدأت نفسها وجلست متكئة إلى ساق السُّقَمَة وهي تضم حقيبتها بين ركبتيها، وفيما كانت تفكر بالأمر سقطت ثمرة من ثمار السُّقَمَة على رأسها فهبت من مكانها مبهوتة. ألتقطت الثمرة ونظفتها بكُمِّ قميصها، أكلتها، فعاد البهاء إلى وجهها.. هتف الصوت من جديد:
-لذيذة!!
احست ببرودة تسري في عظامها وهي تفتش عنه...
-أنا هنا فوق السُّقَمَة....
رفعت رأسها وأجالت ببصرها بين أغصان السُّقَمَة المتشابكة.. التقت عيناها بعينيه. كان هناك بين الفروع الخضراء، واسع العينين بِحَوَل واضح، في عنقه طوق نوراني، متزرًا بإزارٍ بنفسجي، وفيه من كل عناصر الأرض لون. وبدون سابق تفكير تلت قمر مقطعًا من الملحمة:
حيظي ياحوامل المُزْنِ
وياجمرات الحواس اضطرمي
فالبرد القارس
يخطفني مني...
ثم تساءلت:
-أهذا... عود الحنَّاء؟!
-بشحمه وبلحمه...
-للسُّقَمَةِ دارة من لهب!!
-وثمار من ياقوت.. ياشمس!!
-شمس !! .. ألم تعرفني
بلى. لكن القمر لا يضيء في النهار!!
-لاتمزح!.
-صرتِ كثمرة سُقَم...
-متى عدتَ؟
-وقت الطَّوَاف..
-أفي مهمة؟
-إنه الحنين إلى مراتع الصِّباء..
-طال غيابك!
-مباركة أيتها الشمس.
لمست عذق الكاذي على خدها المتورد وهي تشكره، ثم أردفت:
-لقد تغيرت كثيرًا ياعود الِحنَّاء..
-إنها مهنة قَصِّ الآثار ياقمر..
-لماذا ناديتني؟
السُّقَمَة تدعوك إلى مآدبتها فاصعدي.
-انها عالية:
-انهزام أم يأس؟
-قلق..
-عجز أم عدم ثقة؟
لاتكن قاسيًا..!!
-طيري كالجدة مريم وكأُمك غالية.
-وهل هناك هدف؟
-السُّقَمَة لاتكشف أسرارها..
-أنا خائفة..
-أمن أرق اليقظة؟
-من فكرة الطيران..
-من تحول الجسد!!. أنت طفلة:
-لا..أرجوك..
-هل نبدأ إذًا؟
-لنؤجل ذلك إلى وقتٍ آخر..