فهرس الكتاب

الصفحة 36 من 51

تبادلا نظرات حائرة ثم أشار عود الحناء إلى القرية وطلب من قمر أن تأكل مزيدًا من الثمار وشرع يحدثها عن الجدة مريم شاعرة وعرافة القرية التي ماتت قبل انفلاق المحارة بربع قرن، بيد أن الذاكرة الشعبية نسيتْ حولياتها التي لم تدون هي الأخرى رغم غناها بالقصص والحكايات والحكم والأمثال التي ترصد أحداث زمنها وقد تنبأت بحدوث تحولات في القرية ومن ذلك قولها في عبد الرخام:

عبد الرخام دجَّال

سيفُهْ صَمْيلُه

لاترهبوا صوتُه

ولاذيولُه

قووُّا القلوب يَ هْلي

وشَمروا لُهْ

ونَتِّفوا ريشُهْ

وحنجِلوا لُهْ

وكسروا دُقْمُهْ

اللَّه يَزيلُهْ.""

وقالت متنبئة في شق الطريق إلى القرية:

"بابْور جَدِيدْ"

عشِّقْ إلى النَّجودةْ

أَخَذ بْنات حارات

كما الزَّبودَةْ.""

وفي الكهرباء التي لم تكن معروفة آنذاك:

ياكَهرْبَة قلبي

ضَوِّي العمارات

ضوي بيوت صنعاء

ودور حَارات:

في غضون ذلك امتزج رحيق السُّقم مع الدم الجاري في الشرايين وأحدث خدرًا في الجسد مما جعل حلمة النهد المشرغة بالحمرة تطل برأسها من بين أصابع قمر حارات ثم اختفت عندما أسندت رأسها إلى مرفقيها.

توهَجَّت عينا عود الحناء كمرايا النسر وفيها حدَّقت قمر فرأت وياللعجب قريتها مكبرة. رأت الدُّور، والناس البهائم، قلائد المدرجات الزراعية الخضراء، خيوط الكهرباء والهوائيات، دخان فضي ينفذ من فتحات المطابخ ويتوه في الفضاء الواسع. الصور واضحة وملوَّنة، قريبة حتى أنه يمكن للأنامل لمسها. أصابع الديناميت تفجرُ الصخور الصَوَّانية وتشتتها إلى أشلاء. الآلآت الحديدية تزمجر وتخرج من مناخرها دخان الغضب. الجرارات ترفع كواسحها إلى عين السماء وتنزلها بجلافة إلى القاع ثم تندفع من جديد إلى الأمام بوثبات سريعة ومتحدية وتغرز أسنانها البلاتينية في جثث الأشجار والأحجار.. تنطح كل العوائق التي تعترض طريقها وهي تخور ثم تلقي بأحمالها إلى الهاوية العميقة وترتد كالاعصار إلى الوراء وتكر كرَّة أخرى لإزالة ماتبقى من بثور على وجه الطريق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت