فهرس الكتاب
-نسيت ذلك .
-ستتذكرين بعد حين.
هزَّت شعرها الغزير فانسدل وغطى جواهر جسمها. نظرت عبر الأوراق إلى القرى المعلَّقة فوق الجبال وإلى الوديان السَّحيقة. أحست بعصارة ثمر السُّقَم تدفع الدم إلى وجهها..
-هل ترينَ"الضَّاحة"؟
-ذلك الجلمود المحدب من الصخر أسفل الجبل؟!
-نعم.. فيما مضى كانت هناك صخرة عظيمة يصعب ارتقاؤها، وكانت تدعى"دُقْمُ الموت"، من أحجارها بنى الأهالي هذه المدرسة وقد اختاروا هذا الموقع.. هنا، في رأس أكمة حارات لاعتقادهم بأن السُّقَمَة هي رمز الحكمة . حملوا الحجارة الضخمة على ظهورهم غير آبهين بمشقة ارتقاء عقبة الجبل وحدث ذلك في العام التالي لانفلاق محارة اللؤلؤ. ومحارة اللؤلؤ اسم اليوم الذي قضوا فيه على الساحر الدجال الذي مسخ نفسه على شكل طائر الرخمة ومسخ جيشه وزمرة أعوانه على شكل غربان وكلاب وبوم وقرود. في ذلك اليوم فجروا"دُقم الموت"ولعلك تعرفين بقية الحكاية. وتقول الاسطورة: إن الرخمة أوكما يطلق الأهالي عليها أسم عبد الرُّخام": طائر أبقع على شكل النسر خِلقة -لاخُلُقًا-، مبقع بسواد وبياض وهو من أشر الطيور.. موصوف بالغدر والقذر، أصفر المنقار، أصم. وسبب صممه أن النبي موسى عليه السلام لما توفى تكلم بوفاته، وكان يعرف مكانه فأصمه الله حتى لايرشد أحدًا إلى موضعه".
انشدت قمر بصوت حزين:
-"عبد الرُّخام"
أكل الجُثَّةُ
وخَلَّى العظام..""
أدرك عود الحناء سبب بكائها..مسح الدمع من وجنتها وقال:
-هل روت أمك تفاصيل الحدث؟
-ماتت قبل أن أعي ماكانت ترويه
-وأهالي القرية؟
-"هاجر الشبان إلى الغربة ومن بقي نسي.."
-وكتب المدرسة؟
-لاتروي...
-جفاف!!
نكست رأسها فتعثرت النسمات بشعرها وكشفت عن نهدين فتيين صامتين. زفر عود الحناء زفرة طويلة وهو يرسل نظرات شاردة إلى القرية، وبعد لحظات أنشد مقطعًا من نقش سبائي قديم:
-أَلِنُ الجَبَّار
ينظر اليكم
بعين الرضا
يتحنَّنُ عليكم يافرسان
قدمتم أرواحكم قرابين للعزَّة
وعجلتم بزيارته
قَوِّسي لهم ظهرك ياسماء
وياأرض اركعي
إنَّا لنلمحُ في باطنكِ براكينا.""