فهرس الكتاب

الصفحة 4 من 51

اتجه عود الحنَّاء إلى دار ربابٍ وهو يسحب الثعلب خلفه، وفيما كانت الغمامة تجر بقايا أذيالها وتغادر قرية الصفافة، وضع عود الحناء الدجاجة على معقم باب دار رباب المغلق من الداخل، وشنق الثعلب إلى شجرة الحنّاء المقابلة للباب. في هذه الأثناء تخيل رباب مستلقية على سرير الحبال بقميص النوم الأحمر تفتّشُ عن وجه زوجها المغترب هزاع بين خشب سقف الغرفة، وشعرها الطويل الأسود المدهون بزيت الزيتون يغطي وجهها المليح، وينداح كعراجش الحَلَصِ إلى القاع، ورائحة ابطيها التي تشبه عرف العَنْشِط تملأ فضاء الغرفة. ليالي كثيرة نام عندها ليؤانس وحدتها. كانت تحكي له الحكايات حتى ينام في حضنها متوسدًا ساعدها البض ومستنشقًا رائحة العِنْشِط الخمرية. ماأروع مفرق نهديها وما أجمل خطوط أسنانها الدقيقة التي تشبه لون خيوط العسل. يحب رباب أكثر من زعفران المُمْخِطة. ذات ليلة حلم أنه قد صار رجلًا بشنب كثيف، كشارب أبي زيد الهلالي، وأنه تزوج رباب، وصار لهما ولد يدعى عبد النور، وبنت سمَّياها زمزمة. تمنى كثيرًا في أحلام اليقظة أن لا يعود هزاع زوج رباب من المهجر، تمنى لو يغرق في البحر، وتخيل شكل البحر، لكنه أخفق في رسم هيأته على ورق دماغه الصغير. مسكين هزاع، لايستحق موتًا كهذا، لأنه يحب رباب، ويلثغ بحرف الراء. ليت ليلة القدر تأتي لتحقق الأماني وتجمع القلوب، لكن الرمضانات تمر وليلة القدر لاتأتي . الصَّفافة الوردية وحدها تأتي في الظلام.. يراعة رائعة تضيء الخلوة، من روحها يتولدُّ النور. تحسس عود الحناء ساعده الناحل وأمسك التميمة التي ربطتها جدته باحكام هناك، بعد أن كتبها الصوفي.."هُزِّي حِنَّاءة المطر ياصفافة، انزلي من عليائك مع طميك وانثري دراهمك الحامية في حُقَّةِ الطفل الذي أطفأ الفانوس ونام على ساعد رباب. في أذنيه صبي شمع عسلك لئلا يسمع دبيب الناس واصوات هُمِّيمات اللَّيل. اطعميه قلب غراب الصَّيْعَرِ المُبْتَلي بِقِرضَتِه، الذي يطير إلى كل المدن واصقاع الأرض ويعود مشدودًا بحبل الحنين إلى قِرْضَتِه النَّابتةِ في الفلاة الجرداء."

امحي الزينة القديمة من لوحه بِبَحَاحِ الجبل وارسمي بأضوائك، زينة جديدة على بياض قلبه. لاتؤنبيه إن استفرغ السموم، ولاتضعي كل الودائع في رأسه دفعة واحدة...""

-عود الحناء..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت