نادته زعفران من (صَفَا الحَرْفِ) ، وعايرتهُ على فشله في العثور عليها هذا الصباح وتقبيلها تحت جنح الغيم كما حدث في العام الماضي. ضَجَّت غصة في حلقه عندما المحت إلى أن (الخُبَجَة) هو الذي قبّلها اليوم تحت العوسَجَةِ. بصق في عين الثعلب وقرر تأجيل تأنيب زعفران إلى وقت لاحق، لأنه متأكد أن رباب ستقبله على خديه وفي شفتيه عندما تعرف أنه قتل الثعلب، وسينتهز الفرصة لطبع قبلة تحت جنح الشمس وأمام الملأ على خد رباب. سينتشر خبر بطولته كالريح الصرصر في أرجاء قرية الصفافة، وسيهتف الجميع.."عود الحناء بطل القرية، قتل الثعلب."ولن يتحدث الاطفال وقتئذ عن مغامراتهم. لن يعيروه على فشله كما فعلت زعفران الممخطة قبل قليل، بل سيثحدثون اليوم وغدًا وكل يوم عن عود الحناءِ فتى قرية الصَّفافةِ المغوار قاتل الثعلب المكار.
لايدري كيف وسوس له ابليس، وأغواه، فاندفع كالمسحور، يدق باب دار رباب، دقات قوية، متوالية، وينوق كحمار الأسفار، ثم يجري حوارًا بين صاحب الحمار وهَزَّاع زوج رباب، متقنًا تقليد الأصوات، زاعمًا أن هَزَّاع قد وصل الساعة من السفر، عائدًا من المهجر. كل ذلك جرى بطريقة مدهشة، وكأن الشيطان لاعود الحناء هو الذي يتحدث.
مثل بقرةٍ شّعُوفٍ نهضت رباب من سريرها. أصاخت السمع مليًا. في البدء لم تصدق أذنيها، حسبت أن ماتسمعه يجري في الحلم. لكن الصوت الذي لايزال يجلجل.. صوت هزاع!!، ذلك الصوت الأجش الذي يلثع بحرف الراء""لباب.".. لباب، افتحي الباب، يالباب."نعم.. انه هزاع، وهذا صوته العالق في الوجدان كالوشم. غيمة مهفوفة دارت ودارت حول رأسها وأمام وجهها المُهَوَّد. دق قلبها دقات خائفة، وقرصته نحلة الحب فارتجفت سيقانها وغمرتها لهفة وسعادة لاتعادلها سعادة كل أهل قرية الصَّفافة. هَشَّتْ ذباب العتمة وهي تهبط الدرج بسرعة فائقة، وقبل أن تصل إلى باب الدار لتفتحه، داست على روثِ بقرتها، فانزلقت، والتوت رجلها. سيل دافق من النجوم اللَّوامع استطار في كل الأنحاء... ثم همدَ كل شيء.
جوهره
عقارب السَّاعة تلسع.