فهرس الكتاب
أطلق الجدُّ آهاتٍ ضعيفة، تشنَّجت حراشف وجهه. الدمعة نجمة والعكازُ يتسوس.
قال بصوتٍ حزين:
-مات سراجي.
بأصبعهِ الميتةِ تحسّس عيوني..
-إبكِ..
رمى العكاز وزحف على يديه وركبتيه. وأنفهُ كان دليلهُ. قبض الهواء وأمسك بأذن الحمار الميت.
قال:
-مازال يتنفس
الأغطية باردة
والجنازةُ في المسجد
والكفنُ في الصندوق
دفئي الماء ياعجوز الويل.
-جدَّه
ياجدَّتي ..
كيف صار الجدّ أعمى؟!
مسدّت الجدّة شعر رأسي. رأيتُ نجمة الشتاء وحراشف الوجه المتشنج.
قالت:
-وقاك الباري من شرِّ العين. تُفْ.. تُفْ.. تُفْ.
حدث ذلك في سنة الرّجفةِ يابُني. من السوق -سوق الجمعة. اشترى الجدُّ ثورًا لحرث الأرض. كان ثورًا هزيلًا. ظل يطعمهُ طوال الشتاء، الحبوب وعُصارة السِّمسم ويعلفه الحشيش النّادر و"العجور". فلم يأتِ موسم الزراعةِ إلاّ وقد اشتدَّ عوده.
وذات جُمعةٍ..
كان الثور مربوطًا بجانب باب الدّار، أتى ثور الجيران الأبيض يزبد كبغلةِ الشيخ. كان ثورًا فحلًا وكان قويًا، لهُ قرون كأنها السيوف اليمانية، بها طعن ثور الجد طعنة قاتلة.
كان الجار صاحب الثور الأبيض بخيلًا كالخَبتِ الجاف وكان متكبرًا كدودة الدَّمال، لا يُصلي على النبي ولايرد السلام ولايعترفُ بحقوق الجار. رفض أن يدفع دية ثور الجد..
-"مُسَامَحْ".. قال الجد ولم يرفع شكوى واكتفى برفع يديه إلى السماء.
وذات جمعةٍ..
التقى الجد بعبد الجبار"المُمَارِع"، صاحب العين التي تَقُطُّ الحديد وتُسْقِطُ الأجنَّة من بطون الحوامل. لا أحد يدري من أي بلاد أتى ولاأصلهُ أو فصلهُ. عمل أسحارًا للجد، جعله يهذي كالسّكران ويُهْذِرفُ بالكلام وطيَّرَ من"أكواخ"عينيه النوم وزخارف الأحلام. وبعد التي واللُتَيَّا. بعد عسلٍ مغموس بخمرِ اللسان اقنتع الجد، بأن"يمْرَع المُمَارِع"الثور الأبيض، أي يصيبهُ بالعين، فاستلم"الممارع"من الجد قرش حجرٍ"ماريا تريزا"، يطنُّ طنينًا كصوت الرَّعد.
وذات جُمعةٍ..
ذهب الجدّ مع"المُمارع"إلى الجبل. وقَفَا على حافةِ جرفٍ عميق. في ضِفَّة الجرف الأخرى كان الثور الأبيض يرعى. أشارَ الجدّ إليهِ بإصبعٍ واثقةٍ.
قال:
-إنّهُ هُناكَ. بجوارِ شجرةِ الطّلح، يرعى.
بصق"المُمارع"في كَفّيه وفركهما. ثمَّ وضع يدهُ فوق عينيهِ ليتقي ضوء الشمس. حدد بصرهُ. دقَّق النظر كنسر جبلٍ فتي. وبعد وقتٍ قصير..
قال: