فهرس الكتاب

الصفحة 48 من 51

من المأزق الذي أوقعته فيه إلاَّ بشق الأنفس ومن ثم تابع طيرانه على غير هدى وكأن خنجر الخوف قد أغمد في صدره. زحف السرور إلى قلبي وتوهجت فيَّ جذوة الأمل عندما رأيت الملاية البيضاء في موضع النَّجُوَدة وقد شدت باحكام إلى جذوع الأشجار العالية فايقنت أن اللحظة الحاسمة قد حانت. سطعت من عيني أمي هزة روحيةعنيفة وهي تنصت بكل جوارحها إلى أصوات أهالي القرية التي كانت تناديها. ناديتُ أمي معهم:

"ياماسكة السَّاقين"

إمسكي بِسَاقْ..""

شعرتُ بأن كل ذرة من كيان أمي قد استجابت للنداء فداهمتها جملة من الأحاسيس المتناقضة وراحت تحضر نفسها للخطوة الأخيرة، لأخطر نقلةٍ على ضوئها سيتحدد مصير القرية. تجرَّدتُ من مخاوفي عندما سمعتُ أمي تقول:"الهي كن بجاهي.. عليك توكلت.. بسم الله، وبحركة خاطفة وموفقة نقلت يدها اليسرى إلى جوار اليد اليمنى وبكلتا اليدين قبضت على ساق واحدة من قوادم عبد الرخام ثم سحبته إلى الأسفل بكل ماأوتيت من قوة."

كانت الشمس في أوج حماها عندما بدأت شوكة النصر تميل إلى صف الأهالي. خرجت البوم لاستقبال مقاتلي"دُقم الموت"العائدين بالجرحى وحينما عرفت منهم حقيقة الموقف ناحت بالنعيب وادركت انها لامحالة هالكة فحاولت الهرب غير أنها اصطدمت بأشعة الشمس الحامية فلم تقو على الرؤيا وراحت تخبط خبط عشواء.

التهم الفزع وجه عبد الرخام واسودت الشمس في عينيه فتمزق في ظلمات الشك واختل توازنه، أحسَّ بالآم مبرحة في جسده وبانسلاخ عُروق ساقه التي امسكت أمي بها فتحول كل ثقلها إلى هذه الساق، حاول أن يقوم بمناورات في الجو فأخذ يخمش وجه الريح في محاولة يائسة للوصول إلى عيني ووجه واصابع أمي غالية، بيد أن كل محاولاته باءت بالخسران.. اصطك منقاره الأصفر وتصلبت أجنحته ولما ارتخى ذُنابه خارت قواه وعزيمته ثم هوى إلى أسفل سافلين تطلعت أمي إلى موقع الملاية البيضاء وبرغم الارهاق الواضح في وجهها استطاعت أن توجه هبوط عبد الرخام إلى النقطة البيضاء، كانت الريح مواتية، وكان قلبي طربًا يغني داخل تجويف السُّقمة والهبوط كان يجري بنجاح، وفيما كانت أمنا غالية تقترب من الأرض أخذت أحجام الناس -كما قالت لي لاحقًا- تكبر وتكبر في عينيها حتى صار الواحد منهم بحجم جبل"الجَاح"وجلجلت أغنية حبهم في دروب الفضاء:

ياس‍ُقَمةَ ياعالية

ياأُمنا ياغاِلَيةْ

المُمَارِع

-جدّو

ياجدّي..

مات الحمار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت