فهرس الكتاب
أشاهد أمي تحكم قبضتها على قوائم عبد الرخام، لكي لاتسقط من شاهق إلى أسفل سافلين وبعد أن تيقنتْ من أنها اتقنتْ دورها استنشقت الهواء المنعش وتركت الريح تداعب خصلات شعرها الطويلة. كانت معلقة كقرطٍ من العقيق يتدلى من أذن الفضاء، ولما وصلا إلى فوق المنحدر الصخري رأيتُ ألسنة النيران تضخ بدخان كثيف من مواضع مختلفة من القرية وسمعتُ قرقعة أسلحة بيضاء ونباح كلاب وقرقرة قردة واصوات حرب صاخبة. مرت اسراب من الغربان من تحت أقدام أمي ووجهت وجهتها إلى الضَّاحةِ وسمعت البوم تنعب بسرور في"دقم الموت"وكأنها تهيئ المراسيم لاستقبال زعيمها. كان عبد الرخام منتشيًا وهو يحلق بزهو فوق القرية مستعرضًا قوته وجبروته، مشجعًا جيوشه على قمع الفتنة واطفاء نارها باسرع وقت. هاجت الكلاب والقرود حينما رأته يحمل أمي بين مخالبه وقاتلت بشراسة ليس لها نظير، ورأيت الأهالي وقد استولت عليهم رغبة مجنونة للتحدي فاندفوا كالحمم يرمون بأنفسهم في جحيم المعركة الضروس، انهالوا بالفؤوس والمجارف والحجنِ والعصي والسكاكين على رؤوس القردة والكلاب. في ذات الوقت جمعت الغربان صفوفها وشنت هجومًا كاسحًا على القرية وقصفت الأهالي بنعيقها الصَّاخب وانقضت كالعواصف تقتلع عيونهم وتنتزع القلوب من الصدور بمخالبها الجهنمية، غير أن أحجار المقاليع والسهام المسمومة والكمائن المنصوبة والأذرع القوية المعصوبة بالخِرَقْ والخيش المشبع بصمغ"الكُرَادِ"و"الدَّمدهان"كانت لها بالمرصاد.. كانت الحرب سجالًا وفقدت القرية الكثيرين من ابنائها. عمت البلبلة وسادت الفوضى في صفوف جيش عبد الرخام فنزعت متراجعة إلى الضَّاحة. في تلك الأثناء تكاثفت الغيوم في عيني الطائر الرخامي وأحَّس بالنار تشتعل في ضلوعه فانحرف فجأة عن مساره ومال في الفضاء بقصد التلاعب باعصاب أمي غالية وارسالها إلى عالم الأبدية. غامت الأشياء في عيني أمي وانزلقت يدها من فوق ريش الساقين فوقع قلبي.. استماتت أمي في السيطرة على القوادم الخالية من الريش هناك فوق المخالب تمامًا فتنفستُ الصعداء ثم مرت ثواني كبتت أمي خلالها توتر أعصابها باستنشاق مزيد من الهواء النقي بعد ذالك وكأنها قررت أن ترد على غدر عبد الرخام . شاهدتها تحرك جذعها كبندول الساعة ثم دورتهُ كالخذروف في الجو وكانت تضحك وتضحك مما أحدث ارتباكًا في انسياب طيران الرخمة وعقدت لسانه المفاجأة فتخبط مضطربًا وخفق جناحيه بحركات معقدة ولم يخرج