فهرس الكتاب
حملها، ضغطت عليه بجسمها فانحنى كالقوس في ذات الوقت اقبلت اسراب الغربان إلى السُّقمة فشعرتُ بتهيج داخلي ودفقات من الدماء الثائرة تدبُ في جسدي ولمحتُ ياللهول، لمحتُ عبد الرخام في وسط حشد الغربان الهائل يندفع مصوبًا نظرات نارية إلى أمي التي كانت تنظر إليه بهدوء وبلاخوف وتحدق في قوادمه ومخالبه الحادة التي خرجت من أغمدتها كالسيوف القاطعة، كنت ارتجف في التجويف واستبد بي القلق ازاء فكرة فشل مهمة أمي غالية الغالية، وكأنَّ أمي كانت تساورها نفس الفكرة فراحت تلتهم مجموعة من ثمار السُّقمة دفعة واحدة. ومثل زوبعة عنيفة انقضت طلائع الغربان على السُّمقمة وهي تطلق نعيقًا جنونيًا، بيد أن أمي استجمعت قوتها ورعشت السقمة رعشًا متواصلًا وهي تطلق صرخات القتال المدوية فاستجابت كل الفروع والأوراق والأغصان لها وكالت اللطمات القوية وساطت وجوه وصدور الغربان المهاجمة التي انذهلت من هول المفاجأة فسقط العديد منها مضرجًا بالدماء ولفظ انفاسه في القاع فيما انحشرت غربان أخرى بين الأغصان المتشابكة الهائجة وفقدت ريشها وتكسرت اجنحتها، شنت فلول الغربان المتأخرة هجومًا وحشيًا، واستمرت الحرب بين كر وفر ونجحت بعض الغربان في احتلال مواقع هامة على السقمة وحينما رأت الثمار انهمكت في التهامها بشراهة حتى تخدَّرت فتنبه عبد الرخام لذلك وصرخ وزمجر كأنه يامر الغربان بنقر عيون غالية ولما أدرك أن صرخاته ذهبت أدراج الرياح جن جنونه ولفَّ مدومًا حول السقمة. ادركتُ أن طوق الحصار قد اختل بفعل مقاومة أمي وعون السُّقمة فشعرت بارتياح عميق وقرأت معنويات أمي العالية من عيونها التي كانت تشع. انقض عبد الرخام بصورة مفاجئة وهو يسدد مخالبه الفتاكة إلى عيني أمي.. صحتُ محذرة، لكن أمي كانت مستعدة للهجوم المضاد فاهتبلت الفرصة الغالية التي كانت تنتظرها بصبر نافذ وضغطت بكل جسمها على الفرع الواقفة عليه كما يشد الرمح على الوتر وعندما أصبح عبد الرخام على قاب قوسين منها أو أدنى حررت جسمها فارتد الفرع المنحني وقذف بها مسافة في الهواء وبكل رشاقة واقتدار أمسكت بقوادم عبد الرخام الذي زعق زعقات مرعبة وتخبط في الجو فانقذته أجنحته القوية من السقوط وطار مرتاعًا والعرق ينضح من بين ريشه ثم التف بصعوبة حول السُّقمة وهو يحمل أمي كجدي من تلك الجداء التي اعتاد اصطيادها. كنتُ أبكي واضحك واصفق واهز شعري وارقص كالمجنونة في التجويف. رفرف قلبي بين ضلوعي وانا