فهرس الكتاب
نشبت الحيرة أظفارها في وجهي وبرقت الدهشة من عيني عندما رأيتُ أبي يشد إزاره ويخرج من تحت حزامه درعًا من جلد الماعز ثم راح يقيس بعينيه المسافة إلى رأس أكمة حارات، وازدادت دهشتي عندما برك على ركبتيه ودسَّ رأسهُ بين ساقي أمي ثم رفعها فوق كتفيه ووقف يدق الأرض بحوافر فرسٍ استشعر الخطر ومالبث أن انطلق يصعد الجبل وثبًا، كانت اندفاعته عاصفة حتى أن ساقه الخشبية راحت تتخطى الصخور والأشجار الشوكية القزمة وتقذف إلى خلفها بالحصى المنقدح بالشرر. وبلغ قمة الأكمة وقد هدَّهُ التعب ثم وضع أمي تحت السُّقمة وهو يزفر وصدره يصعد ويهبط كالكير، وقف يسترد أنفاسه فيما أسرعت أمي تخلع ثيابها باستعجال,. صرختُ فرعد صوتي لأول مرة في التجويف فقد رأيت أمي عارية، ماابدع قدها.. سبحان الخالق. وطفرت العبرات من عيني.. رأيت نفسي في انتفاخ بطنها، وبدون شعور تحسستُ بطني الضامرة وفي الحال غطى جلد الماعز عري أمي ورجفت الأرض ثم قذفت بها مسافة مترين من جذع السُّقمة وهي تضحك بلاانقطاع، لم الحظ كيف نمت لها أجنحة وكيف طارت إذ رأيتها تحط فجأة فوق فرع عال من فروع السُّقمة وشرعت تجمع أكبر قدر من الثمار ثم ناولت أبي الزنبيل الذي أضحى ثقيلًا وارسلت قبلة في الهواء تلقفها والدي مع الزنبيل ورد عليها بنظرة وارفة واتجه مباشرة إلى المنحدر الصخري ومن هناك أطلق الاشارة التي رددت الجبال صداها وبعد وقت قصير مزق الأذان لحم السكون. وقفت أمي على احد فروع السُّقمة العالية ترقب بانتباهٍ ماكان يجري في"دُقْمِ الموت"وهي ممسكة بأعلى غصن. في تلك الأثناء سمعتُ زمجرة رهيبة لطائر الرخمة وكأنه عرف حقيقة مايجري فقرر ادخال الرعب في النفوس أو هكذا خيل لي بعد أن بدأت الأحداث تتضح أمامي. وكمن أراد الامساك بزمام الأمور قبل استفحالها اعتلى عبد الرخام صهوة الريح وطار حائمًا فوق القرية وهو يطلق اصواتًا بشعة..:"هذا الفرس وهذا الميدان!"في غضون ذلك عربدت الفوضى في الضَّاحَةِ وتلبدت الأجواء بسحب الخوف السوداء واعلنت حالة الطوارئ والاستنفار ثم أخذت الأمور تتطور بسرعة مذهلة. دوى نفير الهجوم وبعد ثوان احتجبت الشمس خلف أجنحة الغربان وانطلقت القرود والكلاب المسعورة من ثكناتها تزعق وتنبح باصوات تصم الآذان. سمعتُ ضجة كبيرة تتعالى من انحاء متفرقة في القرية أعقب ذلك وقع معارك ضارية وشاهدت أمي تثبِّتُ قدميها على الفرع الواقفة عليه تختبر ليونته وقدرته على