فهرس الكتاب

الصفحة 44 من 51

كطبيب شعبي لايضاهى، فوشت به البوم وزج به عبد الرخام في سجن الضَّاحةِ سنين عديدة بتهمة الدجل والشعوذة ولم يفرج عنهُ إلا بعد أن كتب اقرارًا بعدم ممارسة الطبابة ومع ذلك كانت تأتي إليه الناس سرًا. ومن فتحة التجويف الدائرية شاهدت أمي وهي تقطف الأعشاب وتضعها في الزنبيل ولما بلغا حَيْد الطَّاهِش"كان الزنبيل قد امتلأ بالحرمل والحِزَنْبَل والبرَدقوش والخوعة والزعفران والمريمرة والعباب واعشاب أخرى لاأعرفُ أسماءها. في تلك الأثناء حملت الريح أغنية راعي غنم، اجتازت المسافات وانسابت عذبة ودافئة في الآذان:"

"أحبَّك قُلتها"

من قَلب عاشقْ

وفي حُبَّك

إلى الأذنين غَارقْ..""

وقف أبي غيمان شارد اللُّب يرنو إلى جبلِ الطَّيارِ فيما تجمدت أمي فوق صفا الحَيْدِ، وكأن أبي أحس بدماء ساخنة تندفع إلى جمجمته رأيتهُ يفترسُ أمي بنظرات نهمة وكمن تملكتهُ رغبة جامحة لفعل الحب في الفضاء المفتوح حث خطاه وضمَّ أمي إلى صدره بتهور وكما يبدو أن رائحة الأعشاب الطرية أثارت غُلمته فعض رقبة أمي فاعترتها رجفة وندت منها آهة وقالت له:

-غيمان!!.. ماذا دهاك؟

أجاب بأنفاس متقطعة:

-غالية!..

انسلت بخفة من بين يديه العرقتين وسددت إليه نظرة شزراء.

آنئذ فقط لمحتُ تكور بطن أمي فانتفضت من القشعريرة التي سرت في بدني واعترتني حمى راقصة، أسمتُ بصري بوجه أمي الباسم وبيديها التي أمسكت بيد أبي ثم حطتها على بطنها فقال بعد أن اصدر شهقة فرح:

-إنهُ يتحرك!!

سألتهُ:

-ماذا سنسميه؟

رد بصوت قوي:

-غيلان..

-وان هي انثى؟

-قمر..

دارت امي حول نفسها وهي تهتف:

-قمر.. قمر حارات..

اعترتني حالة غريبة من الهيجان، ضربتُ الحاجز الشفاف بقبضتي المتشنجتين وركلته حتى أدميتُ قدمي، وددت في تلك اللحظة أن أكون هناك.. تفجرت براكين داخلي وجرجرت حديد عجزي وشرخ الحزن شغاف قلبي، سجعت الحمامة من جديد.."أنتِ هناك.. أنتِ هناك"فأخمد صوتها ثورة غضبي وثبتُ نظري في الفتحة الدائرية المشؤومة فخيل لي انها ازدادت اتساعًا عما قبل وتعجبت لذلك ولوضوح الرؤيا وصفاء الأصوات الآتية من خارج التجويف واستغربت من عدم استطاعتي الانفكاك من سياج السقمة المضروب حولي. فجأة دوى صوت النفير وقطع حبال تأملاتي فرفعت حاجبي وسمعت أبي يقول:

-دنت ساعة الصفر ياغالية!!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت