فهرس الكتاب

الصفحة 43 من 51

فرناس- التنكية، لماذا لم تحملني حتى"دُقم المنية."والأحجار الملس المدورة -الراجمات- التي وضعتها حول حقوقي والحجرة الطويلة المدببة -باصقة اللهب- التي شددتها بين عظمتي فكَّيَّ لأقذف بهن في الوقت المناسب فوق مقام عبد الرخام وادكه دُكًَّا، هاهن الآن مستلقيات يندبن حظي بجوار اجنحتي التنكية المبرقعة بدمي. كانت الانطلاقة وقت الفجر من اعلى فرع من فروع السُّقمة صوب"دقم الموت"فالتحليق الذي لم يدم طويلًا ثم السقوط المريع. كان الفجر ملبدًا بالنزيف عندما استلقفتني- ويالحسن حظي!! - خيمة قصب الذُّرة والدُّخن فانكسرت ساقي. الريح التي لم تقو على حملي حمحمت ولامتني لأنني لم أسأل النسر كيف يسبر أشرعتها ولأنني أيضًا نسيت أن أصنع ذُنابًا.. يالغبائي كيف نسيتُ ذلك؟."مرَّ وقت وهو يلكم الجدار حتى تناثر منه الرَّوث والطين ثم فتح الشباك بعصبية حتى خلع درفته فمجت شمس الصباح الحمراء بشعاع أغشى بصري للحظات ولما زالت الغشاوة اجتاحتني سعادة غامرة لأنني رأيت باب دارنا يفتح فخرج منه أبي ومن بعده خرجت أمي غالية ودخلا في ضوء الصباح ثم سارا في"مخلافِ"القرية متجهين نحو الجبل، كانت أمي تتهادى خلف أبي بخطوات رشيقة، تتبعته خطوة إثر خطوة دون أن تحيد ولاحتى أنملة عن مواطئ القدم السليمة وآثار القدم الخشبية وكان الزنبيل الذي صنعته من سعف النخل يتمايل في يدها مقلدًا تمايل قامة ابي النحيلة كقصبة السكر، ولاحظتُ أن ثمة توترًا غامضًا يلعب بأعصاب القرية وتوجسًا يحوم في سمائها، ناحت الحمامة من ركن دار النجد كأنها تجيب عن أسئلتي:"كوكو.. نبذوا الخوف. كُرُكوكو.. اصبحوا واسعي الحيلة"فاستغربت من نباهتها. كانت القرية قد غابت خلف أبي وأمي عندما وصلا"هَيْجَة مِسْكَة"فاستقبلتهما نسمات الجبال العليلة ومن أدواحها استنشقا الطِّيب كلّهُ فزال التجهم الذي لمحته قبل ذلك من وجه أبي. التفتَ وحدج أمي بنظرات مفعمة بالحب.. خفق قلبي وأجابته وجنات أمي التي توردت وتلك السحب القرمزية التي كانت تتجمع في الأفق. مضى أبي يتفحص أوراق وازهار والياف الأعشاب البرية بسراجي عينيه وعروق أنفه وعدسات أصابعه. لم أقل لكَ من قبل أنه اكتسب خبرة كبيرة في تحضير الأدوية من الأعشاب وانه قد جرب الكثير منها على نفسه وتذكر أمي عدد المرات التي أخفق فيها وشارف على الموت لولا لطف الباري والمداواة بالتي كانت هي الداء على حد تعبيرها وفي الأخير توجهُ الأهالي"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت