فهرس الكتاب

الصفحة 42 من 51

وهم؟ ولم أدر كيف أتأكد من ذلك وساورني شك من حقيقة ماأرى. لقد كنت في بطن أمي غالية جنينًا أو مضغة عندما اشعل أبي الفتيل وفجَّر"دُقم الموت"ثم طار إلى السماء واختفى بين النجوم، هكذا قالت لي أمي. تمنيت لحظتئذٍ لو يقف الرجل الذي أراه على قدميه حتى أتأكد من أنَّهُ فعلًا أبي، فعندي الدليل الذي يثبت ذلك.. ليتهُ يقف. فتحتُ فمي لأُناديه غير أن صوتي لم يخرج من حنجرتي وبقيتُ فاغرة فمي كالبكماء. شعرت بالخيبة وغصة كأنها السكين تحز رقبتي. اندفعتُ لأحشر رأسي في الفتحة فارتطم وجهي بحاجز صلب شَفَّاف وتقطر الرعاف من انفي فبقَّعَ صفرة جلدي ببقع حمراء. تربعَ الرجل، لكنه اخفى قدميه بفوطته الرَّثة فخاب أملي، وفي غمرة انفعالاتي ركضت إلى الحاجز الشفاف وكلت له اللكمات، بيد أنه ظل صامتًا كالقبر. ماالعمل؟ من جاء بهذا اللؤح؟.. بكيتُ بمرارة وفيما كنتُ اقاتل اليأس تنبهتُ أن للقرية سورًا وفي السور بضعة أبواب والأبواب موصدة واجتاح فراغ التجويف سجع حمام زاجل، كان عود الحناء قد علمني لغة الطير ولذلك فهمت لغة الحمام..:"تعطل الدولاب.. يرقات الطاعون. القطران.. قصف.. تهدم جدران. دبيب البق. ازيز الزنابير والبعوض والذباب. تهشم الجماجم.."كانت لغة الحمام عبارة عن شفرات لم أدرك معانيها إلاَّ في وقت متأخر. في تلك الأثناء وخزت شوكة حادة فم معدتي فقئتُ سائلًا يشبهُ القطران ثم لفني ظلام ليل دامس ولاح من بعيد ضوء مسرجة كابٍ يقارع أشرس ظلمة، كان يرتجف في كُوَّةٍ اغتصبها السَّخَام وتحت أخشاب سقف الغرفة الكئيبة رأيتُ الرجل نفسهُ يهذي. هذه المرة كان واقفًا وعندما توجه نحو الشُّبَاك وهو يعرج ضج داخلي وتوترت اعصابي فقد تأكدت أنه أبي.. إنه يعرج، إنه يعرج!! هكذا حدثتُ نفسي ثم شعرتُ بوحشة خانقة. كان يقلب يديه ويشدُّ شعر رأسه الأكرت،سمعتهُ يقول:"دُقم المنية: مقام عبد الرخام والغربان والكلاب والقرود الممسوخة: جيشهُ الحافي. أما البوم. أمهات الخراب: فَحُجَّابُ مقامه وجواسيسه. قضت الغربان والقرود على الزرع وبالت الكلاب في الينابيع والآبار فجفت. جفَّ الضرع وكنست مكنسة الساحر نجوم السماء.. قضى على العصافير. شَوَّه الوجوه وقَزَّم القامات. عمَّم القذر والعاهات. للقرية سور. في السور أبواب موصدة والعزلة: تشريع مُلزِمْ. الطاعون: خل وفي، لاتطفئي ضوءك يامسرجة البيت، كانت محاولة من المحاولات ولن تكون الأخيرة، تبًَّا لأجنحة- عباس بن"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت