فهرس الكتاب

الصفحة 41 من 51

بعد أن ابتلعني تجويف السُّقمة رحتُ أهوي إلى أغوار لاقرار لها، فقدتُ وعيي لبعض الوقت وبعد ذلك رأيتُ فيما يرى النائم أنني تحولتُ إلى قُمْريَّة. أي كذلك الطائر الشبيه بالحمام -وكانت اجنحتي مقصوصة، أخذت أهذي بصوت غير مسموع.."أين أَنت ياعود الحِنَّاء؟!. هل ارسلتني السّقمة في رحلة عجيبة إلى عوالمها السُّفلية؟.. لماذا غدرت بي؟. لم أكن استمع إلى الأنين الذي كان يهدر بداخلي وأنا أهبط بين ضباب التجويف الارجواني. بعد مرحلة وخزت انفي روائح عفنة وهيئ لي انني لمحت عناكب عملاقة تزحف في اتجاه هوام مقيدة بسلاسل كفقراتٍ صدئة وانني اسمع آهات مكبوتة لكائنات غريبة، لم ألحق أن اتعرف على مصدر الصرخات التي كانت تزمجر بحدةٍ، بيد أن عيني اليمنى انفتحت على عتمة برتقالية فابصرت هيكلًا عظميًا لوحشٍ أحنط وجماجم كلاب متحجرة في غضون ذلك تردد في التجويف نعيق غربان ونعيب بوم وقرقرة قرود فتقززتُ من مخاوفي وبدأت أتذكر.. اصبح هبوط جسدي ناعمًا، بطيئًا ثم كأن الجاذبية تخلت عني وتركتني معلقة بين السماء والأرض.. انفتحت عيني اليسرى فالقيتُ نظرات متفحصة على التكوينات الهلامية التي احاطت بي. حتى الآن لم استطع حل لغز تلك العيون البلورية والحلمات المتهدلة والطحالب السوداء العطنة، بعد حين لمع برق اصفر وهطل مطر كدم العُصْفُر فبلل شعري وأحال جلدي إلى حراشف صفراء وفجأة بهرني ضوء ساطع هيج بصري وكاد يطفئهُ إلى الأبد، ولم تمض لحظات حتى انجذبت عيوني المتوتِّرة إلى الفتحة الدائرية التي شَقَّت للنور طريقًا فاندلق منها إلى داخل التجويف كحديد مصهور. عبر مسافة مَّيزتُ شكل أكمة وعليها سُّقَمة جرداء ورأيت قرية تشبهُ قريتنا و"دقم"لم أر أكبر منه في حياتي يقفُ شامخًا كالطود وسط"الضَّاحَةِ"المحدَّبةِ وفيه أخاديد كثيرة، كان الهواء راكدًا في الخارج ومازاد من استغرابي أن عود الحنَّاء لم يكن على السُّقمة، كما أن المدرسة اختفت من تحتها، وتحت المنحدر الهابط نحو القرية رأيت خيمة من قصب الذُّرَةِ والدخن اليابسة وثمة أحجار ملس مدورة واجنحة تنكية مهشية ولفت انتباهي كائن حي يخرج من بين قصب الذرة والدم ينزف من رأسه. محطمًا، متخشبًا، تائهًا، اظلمتِ الدنيا في عينيه. تفرستُ مليًا في وجهه فالفيت ملامحه شديدة الشبه بملامح وجه أبي غيمان التي اعرفها من صورته المعلقة بجدار مفرج بيتنا من قبل أن أولد. ياإلهي!!.. أ أبي حي!.. أيعقل هذا؟ أم أنني في"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت