فهرس الكتاب

الصفحة 54 من 64

وما يسمع لأحدهم صوت، ولقد كان الرجل ممن كان قبلكم يستكمل القرآن فلا يشعر به جاره، ولقدكان الآخر يتفقه في الدين ولا يطلع عليه صديقه، ولقد قيل لبعضهم: ما أقل التفاتك في الصلاة وأحسن خشوعك؟ فقال: يا ابن أخي، وما يدريك أين كان قلبي؟ [1] .

وكان أيوب السختياني يقوم الليل كله، فيخفي ذلك، فإذا كان عند الصبح رفع صوته كأنه قام تلك الساعة [2] .

أما سلمة بن دينار فإنه يحث على أمر عظيم غفل عنه كثير من الناس وذلك في نصيحة صادقة حيث قال: اكتم حسناتك أشد مما تكتم سيئاتك [3] .

ومن يستطيع ذلك؟! إلا من جاهد نفسه ووفقه الله جل وعلا وأعانه وسدده!!

قال الحسن: إن كان الرجل ليجلس المجلس فتجيئه عبرته فيردها فإذا خشي أن تسبقه قام [4] .

وقال جرير بن عمرو بن ثابت: لما مات علي بن الحسين فغسلوه جعلوا ينظرون إلى آثار سواد بظهره، فقالوا: ما هذا؟ فقيل: كان يحمل جرب الدقيق ليلًا على ظهره يعطيه فقراء أهل المدينة [5] .

وفي صورة من صور حفظ العمل .. إخفاء الدمعة الصغيرة حتى لا ترى قال حماد بن زيد: كان أيوب (السختياني) في مجلس، فجاءته عبرة، فجعل يتمخط ويقول: ماأشد الزكام [6] .

وقال محمد بن واسع: لقد أدركت رجالًا كان الرجل يكون رأسه مع رأس امرأته على وسادة واحدة، قد بل ما تحت خده من دموعه، لا تشعر به امرأته، ولقد أدركت رجالًا يقوم أحدهم في الصف، فتسيل دمعوعه على خده ولا يشعر به الذي إلى جنبه [7] .

وحالهم في إخفاء الصيام والصدقة عجيب، وقد جمع بين هاتين العبادتين أبو الحسين النووي الذي مكث عشرين سنة يأخذ من بيته رغيفين، ويخرج ليمضي إلى السوق، فيتصدق بالرغيفين ويدخل المسجد، فلا يزال يركع حتى يجيء وقت سوقه، فإذا جاء الوقت مضى إلى السوق، فيظن أنه تغدى في بيته، ومن في يبته عندهم أنه قد أخذ معه غذاءه، وهو صائم [8] .

هؤلاء قوم صبروا على أعظم أنواع الصبر وأشقها وأعصاها

(1) الزهد، للحسن البصري، ص 159.

(2) صفة الصفوة 3/ 492.

(3) حلية الأولياء 3/ 240، السير 10/ 6.

(4) الزهد، ص 373.

(5) حلية الأولياء 3/ 136.

(6) السير 8/ 503.

(7) حلية الأولياء 2/ 347.

(8) صفة الصفوة 2/ 439.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت