الصفحة 46 من 56

اليوم الذي كنت أرى فيه سفيان الثوري كنت قرير العين قال فأبطأت عنه أياما ثم أتيته فقال لي يا أبا مهلهل ما أبطأ بك عنا ثم اخذ بيدي فأخرجني إلى الجبان فاعتزلنا ناحية عن طريق الناس فبكى ثم قال يا أبا مهلهل قد كنت قبل اليوم اكره الموت فقلبي اليوم يتمني الموت وان لم ينطق به لساني قال قلت ولم ذاك قال لتغير الناس وفسادهم ثم قال لي إن استطعت أن لا تخالط زمانك هذا أحدا فافعل وليكن همك مرمة جهازك واحذر إتيان هؤلاء الأمراء وارغب إلى الله في حوائجك إليه وافزع إليه فيما ينوبك وعليك بالاستغناء عن جميع الناس وارفع حوائجك إلى من لا تعظم عنده الحوائج فوالله ما اعلم اليوم بالكوفة أحدا لو فزعت إليه في قرض عشرة دراهم أقرضني ثم كتمها علي يذهب ويجيء ويقول جاءني سفيان فاستقرضني فأقرضته.

الورع لابن حنبل ج1/ص195

94-هارون الرشيد وابنه الصالح

أخبرنا محمد قال سمعت أبا بكر بن أبي الطيب يقول بلغنا عن عبد الله بن الفرج العابد قال:

احتجت إلى صانع يصنع لي شيئا من أمر الروز جاريين فأتيت السوق فجعلت أرمق الصناع فإذا في أواخرهم شاب مصفر بين يديه زبيل كبير ومر وعليه جبة صوف ومئزر صوف فقلت له تعمل قال نعم قلت بكم قال بدرهم ودانق فقلت له قم حتى تعمل قال على شريطة فقلت وما هي قال إذا كان وقت الظهر وأذن المؤذن خرجت وتطهرت وصليت في المسجد جماعة ورجعت وإذا كان وقت العصر فكذلك فقلت نعم فقام معي فجئنا المنزل فواقفته على ما يفعله من موضع إلى موضع فشد وسطه وجعل يعمل ولا يكلمني بشيء حتى أذن المؤذن الظهر فقال يا عبد الله قد أذن المؤذن قلت شأنك فخرج فصلى ثم رجع فلم يزل يعمل إلى آخر النهار فوزنت له أجرته وانصرف فلما كان بعد أيام احتجنا إلى عمل فقالت لي زوجتي اطلب لنا ذلك الصانع الشاب فإنه نصحنا في عملنا فجئت السوق فلم أره فسألت عنه فقالوا تسأل عن ذلك المصفر المشئوم الذي لا نراه إلا من سبت إلى سبت لا يجلس إلا وحده في آخر الناس قال فانصرفت فلما كان يوم السبت أتيت السوق فصادفته فقلت له تعمل قال قد عرفت الأجرة والشرط قلت أستخير الله فقام فعمل على النحو الذي كان عمله فلما وزنت له الأجرة زدته فأبى أن يأخذ الزيادة فألححت عليه فضجر وتركني ومضى فغمني ذلك فاتبعته وداريته حتى أخذ أجرته فقط فلما كان بعد مدة احتجنا أيضا إليه فمضيت في يوم السبت فلم أصادفه فسألت عنه فقيل لي هو عليل فقال لي من يخبره أمره إنما كان يجئ إلى السوق من سبت إلى سبت يعمل بدرهم ودانق و يتقوت كل يوم دانق وقد مرض فسألت عن منزله فأتيته وهو في بيت عجوز فقلت لها هنا الشاب الروزجاري فقالت هو عليل منذ أيام فدخلت عليه فوجدته لما به وتحت رأسه لبنة فسلمت عليه وقلت له لك حاجة قال نعم إن قبلت قلت أقبل إن شاء الله قال إذا أنا مت فبع هذا المر واغسل جبتي هذه الصوف وهذا المئزر فكفني بهما وافتق جيب الجبة فإن فيها خاتم فخذه ثم انظر يوم يركب هارون الرشيد الخليفة فقف له في موضع يراك فكلمه وأره الخاتم فإنه سيدعوك فسلم إليه الخاتم ولا يكون هذا إلا بعد دفني قلت نعم فلما مات فعلت به ما أمرني ثم نظرت اليوم الذي يركب فيه الرشيد فجلست له على الطريق فلما مر ناديته يا أمير المؤمنين لك عندي وديعة ولوحت بالخاتم فأمر بي فأخذت وحملت حتى دخل إلى داره ثم دعاني وصرف جميع من عنده وقال لي من أنت قلت عبد الله بن الفرج فقال هذا الخاتم من أين لك فحدثته قصة الشاب فجعل يبكي حتى رحمته فلما أنس إلى قلت يا أمير المؤمنين من هو منك قال ابني قلت كيف صار إلى هذه الحال قال ولد لي قبل أن ابتلي بالخلافة فنشأ نشوءا حسنا وتعلم القرآن والعلم فلما وليت الخلافة تركني ولم ينل من دنياي شيئا فدفعت إلى أمه هذا الخاتم وهو ياقوت ويسوي مالا كثيرا فدفعته إليها وقلت لها تدفعين هذا إليه وكان بارا بأمه وتسألينه أن يكون معه فلعله أن يحتاج إليه يوما من الأيام فينتفع به وتوفيت أمه فما عرفت له خبرا إلا ما أخبرتني به أنت ثم قال لي إذا كان الليل فاخرج معي إلى قبره فما كان الليل خرج وحده معي يمشي حتى أتينا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت