فقد استبان لك أنه - صلى الله عليه وسلم - مستوجب للمحبة الحقيقية شرعًا بما قدمناه من صحيح الآثار ، وعادة وجبلةً بما ذكرناه آنفًا ، لأفاضته الإحسان ، وعمومه الإجمال ، فإذا كان الإنسان يحب من منحه في دنياه مرةً أو مرتين معروفأً ، أو استنقذه من هلكة أو مضرة مدة التأذي بها قليل منقطع ـ فمن منحه ما لا يبيد من النعيم ، ووقاه ما لا يفنى من عذاب الجحيم أولى بالحب .
وإذا كان يُحَبُّ بالطبع ملكٌ لحسن سيرته ، أو حاكمٌ لما يؤثر من قوام طريقته ، أو قاص بعيد الدار لما يشاد من علمه أو كرم شيمته ـ فمن جمع هذه الخصال على غاية مراتب الكمال أحق بالحب ، وأولى بالميل .
-وقد قال علي رضي الله عنه في صفته - صلى الله عليه وسلم: من رآه بديهةً هابه ، ومن خالطه معرفةً أحبه .
وذكرنا عن بعض الصحابة أنه كان لايصرف بصره عنه محبةً فيه .
الفصل السادس
في وجوب منا صحته - صلى الله عليه وسلم -
قال الله تعالى: (لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاء وَلاَ عَلَى الْمَرْضَى وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ لِلّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (التوبة: 91 )
قال أهل التفسير: إذا نصحوا لله ورسوله: إذا كانوا مخلصين مسلمين في السر والعلانية .