وعند ما يرى المسلم ذلك كله في حياة السلف رضي الله عنهم، ويقارن ذلك بحياة الذين جاؤوا بعدهم، يدرك سر انتشار الإسلام وانتصاره على أيدي أولئك. وسرّ انكماش الإسلام وانحساره على أيدي من بعدهم ويدرك كذلك صدق القائل عندما يقول عن الإسلام: ياله من دين لو أن له رجالًا!!.
وبعد المقارنة، وعندما يدرك الفارق الكبير بين رجال ورجال، بين رجال السلف ورجال القرن الرابع عشر سيشهد مع الشاعر قوله:
لا تعرضنّ بذكرنا مع ذكرهم ... ليس الصحيح إذا مشى كالمُقعَد
ولقد برهن هذا الإسلام العظيم بما تزاحم في تاريخه الطويل من أبطال ورجال على جدارته الفذة في تقديم النماذج الصالحة للقدوة، وهم كثرة كثرة. أشرق بهم تاريخ الإسلام وازدانت بهم عصوره، ولا يحتاج الإنسان لشيء سوى أن يفتح عينيه، ويقرأ ماحفظه التاريخ عن الأمة العظام في العلم والتقى والزهد والورع، و ... و ... الخ.
وإن أمامنا العظيم عروة بن الزبير - رحمه الله - أحدُ من هؤلاء الذين جمعوا تلك المحامد، بحيث يحس المسلم وهو يقرأ سيرته كيف ينبغي أن تكون عليه حياة المؤمن؟، وإنه بذلك لخير قدوة ونموذج لما ينبغي أن يكون عليه شباب اليوم، ولذا رأيت أن أبحث سيرته وانقصى مواطن ذكره في بطون كتب التراجم والطبقات.
ولقد آثرت أن أقسم البحث إلى مباحث بلا أبواب ولا فصول، لأني وجدت أن كثيرًا من المباحث في سيرة الإمام غير مرتبطة ببعضها وأن ذلك