ثم اعلم أن النظر له عدة استعمالات كما ذكره صاحب حادي الأرواح (2) وشارح الطحاوية (3) وغيرهما ، وذلك بحسب صلاته وتعديه: فإن عُدي بنفسه فمعناه التوقف والانتظار كقوله عز من قائل: { انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ } (4) وإن عدي بفي فمعناه التفكر والاعتباركقوله تعالى: { أَوَلَمْ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ } (5) وإن عدي بإلى فمعناه المعاينة بالأبصار كقوله تعالى: { انظُرُواْ إِلِى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ } (6) .
ومنه قول امرئ القيس:
نظرت إليها والنجوم كأنها .……مصابيح رهبان تشب لقفال .
وقول عمر بن أبي ربيعة:
نظرت إليها بالمحصب من منى .……ولي نظر لولا التحرج عارم .
1_ تفسير ابن كثير 4 / 450 .
4_ الحديد: 13 .
5_ الأعراف: 184 .
6_ الأنعام: 99 .
وقول الآخر:
إني إليك لما وعدت لناظر .……نظر الفقير إلى الغني الموسر .
والمعنى أنظر إليك نظر ذل كما ينظر الفقير إلى الغني لأن نظر الذل أرق لقلب المسؤول فكيف إذا أضيف إلى الوجه الذي هو محل للإبصار .
قال أبو الحسن الأشعري: (( ولما قرن الله النظر بذكر الوجه أراد نظر العينين اللتين في الوجه كما قال تعالى: { قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا } (1) فذكر الوجه وإنما أراد تقلب عينيه نحو السماء ينظر نزول الملك عليه بصرف الله له عن قبلة بيت المقدس إلى الكعبة )). وعلى هذا فإن الآية الكريمة من المعنى الأخير وهو المعاينة بالأبصار لتعديه في الآية بإلى ولذا خطأ الأزهري مجاهدا حينما قال (( إن النظر في هذه الآية انتظار مالهم عند الله من الثواب قال لأنه لا يقال نظر إلى كذا بمعنى الانتظار وقول القائل نظرت إلى فلان ليس إلا رؤية عين . وإذا أراد الإنتظار قالوا نظرته كما في قول امرئ القيس:
فإنكما إن تنظراني ساعة .……من الدهر تنفعني لدى أم جندب .
أي تنتظراني )) (2) .
قال النسفي عند تفسير هذه الآية (( وحمل النظر على الانتظار لأمر ربها أو الثواب لايصح لأنه لايقال نظرت فيه أي تفكرت ونظرته وانتظرته ولايعدى بإلى إلا بمعنى الرؤية مع أنه لايليق الانتظار في دار القرار ) ) (3) .
1_ البقرة: 144 .
2_ القرطبي: الجامع لأحكام القرآن 19 / 109 ، الشوكاني: فتح القدير 5 / 338.
3_ تفسير النسفي 53 / 31 .