فهرس الكتاب
يناقش هذا الإجماع بأنه لم يحصل، لأنهم قد اختلفوا في مقدار العقوبة ، فكيف يقال بأنهم قد أجمعوا على أن عقوبة الشارب حد وهم قد اختلفوا في المقدار.
ويجاب عن ذلك بما ذكرناه مرارًا من أنه لا يلزم لوصف العقوبة بالحد أن تكون معلومة المقدار ، بل يكفي أن تكون واجبة ولازمة، وهو ما اتفق الصحابة ومن بعدهم عليه.
12 -عدم ثبوت حديث صحيح صريح بأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد ترك شارب الخمر بدون عقوبة.
يناقش هذا الاستدلال بأنه قد ورد ذلك في حديثَي ابن عباس اللذين أُورِدا ضمن أدلة القائلين بالتعزير [1] .
ويجاب عن ذلك بأمرين:
الأول: أن الاستدلال غير سليم، فالنص في الحديثين غير صريح ، بل يحتمل أكثر من وجه، على نحو ما سيأتي في مناقشة الدليلين.
الثاني: أن الحديثين ضعيفان، على نحو ما سيأتي في مناقشة الدليلين.
رابعًا: مناقشة أدلة القول الرابع وهو القول بأن عقوبة شرب الخمر تعزيرية وليست حدًا من الحدود.
1 -... الأحاديث التي حكت فعله - صلى الله عليه وسلم - في ضرب شاربي الخمر ، ولم يُذكَر فيها قدر معين من الجلدات ، مما يدل على أنها تعزيرية .
يناقش الاستدلال بهذه الأحاديث بأمرين:
الأول: أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يقدره عددًا ولكنه أوجبه ولم يترك شارب الخمر بدون عقاب ، فيكون الحد هو الضرب بدون تقدير ، ولكنه بما يقارب فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - على نحو ما قدره الصحابة .
الثاني: يقال فيها ما قيل فيها عند مناقشة أدلة القول الثالث من أنها مبهمة أو مطلقة يفسرها أو يقيدها الأحاديث التي وردت بأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - جلد الشارب أربعين جلدة .
ويجاب عنها بما أجيب به هناك من أن هذا العدد ليس توقيفيًا من الرسول - صلى الله عليه وسلم - ،ولكنه تقدير من الصحابة لفعله - صلى الله عليه وسلم - .
2 -... حديث علي: ( وذلك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يسنه ) .
... يناقش هذا الحديث بستة أمور:
الأول: أنه ثبت عن علي - رضي الله عنه - التصريح بالأربعين مرفوعًا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قصة ضرب الوليد بن عقبة [2] ، ورواية نفي الحد ـ أعني قوله: لم يسَّه ـ موقوفة على علي رضي الله عنه ، وإذا تعارض المرفوع والموقوف قُدِّم المرفوع [3] .
الثاني: ثم إذا كانت الرواية المصرِّحة بالأربعين ( أعني قصة ضرب علي للوليد بن عقبة ) تعارض رواية نفي الحد ( أعني قوله: لم يسَّه ) فإن رواية الإثبات مقدمة على رواية النفي [4] ، إضافة إلى أن رواية الإثبات قد ساندتها رواية أنس التي صرحت بالأربعين وهي صحيحة قد أخرجها مسلم وغيره [5] .
ويجاب عن هذين الأمرين بأن الأربعين المرفوعة إلى الرسول
(1) وهما الدليلان رقم (3) و (4) .
(2) وقد تقدم ذكر هذا الحديث ضمن أدلة القائلين بالأربعين وتخريجه وأنه في صحيح مسلم.
(3) فتح الباري 12/72. ...
(4) فتح الباري 12/72. ...
(5) صحيح مسلم 3/1330، سنن الترمذي 4/48، السنن الكبرى للبيهقي 8/319.