فهرس الكتاب

الصفحة 115 من 348

والحقيقة أن النظرية السلوكية بقدر ما كشفت عن عوالم خفية ودفعت بالبحث الدلالي خطوات نحو الأمام، بقدر ما فتحت أبوابًا عن عوالم أخرى بقيت خفية، ذلك أن الأخذ بمبدأ دراسة الأفعال الكلامية القابلة للملاحظة والمشاهدة، لم يقدم الأجوبة الكافية عن تلك التساؤلات حول ضبط دلالة الصيغة اللغوية ضبطًا يخضع لمعايير علمية دقيقة تنسحب على كل الصيغ والتراكيب اللغوية، فوجود القيم الحافة وتكوّن المعنى الديناميكي الذي لا يأخذ صورة قارة ثابتة، شكّل أهم العوائق أمام نظرية (بلو مفيلد) السلوكية، وقد تطورت هذه النظرية على يد الفيلسوف الأمريكي (شارل موريس ) ـ (Charles Morris) الذي لاحظ أنه قد تتعدد الاستجابات لمثير واحد، يعني اشتراك دلالات في صيغة لغوية واحدة، وذلك أن المنطوق قد يحمل قيمًا أسلوبية ومعان حافة يتولد عنها استجابات متنوعة، وقد أخرج (موريس) من معنى الصيغة، الاستجابة أو رد الفعل، واكتفى بمجرد الميل أو الرغبة"، ويعني ذلك أنه إذا وجد ميل أو رغبة صريحة للقيام باستجابة معينة لمثير (منطوق لغوي) فدلالة على وجود ارتباط يجعل الاستجابة تكون لذلك المثير، وهذا الارتباط بمثابة الاشتراط وقد مثل ذلك بالعلاقة:"إذا كانت ط حينئذٍ تكون س"، حيث ط = اشتراط. [1] "

ورغم هذا التطور الحاصل في النظرية السلوكية، بلجوء موريس إلى فكرة الميل أو المزاج، فإنه وجدت تراكيب وعبارات لغوية لا تخضع لمعايير هذه النظرية. وبالتالي وجدت فجوات علمية واضحة لم تستطع النظرية السلوكية سدها، مما عجل بميلاد اتجاه آخر في الدرس الدلالي حاول الإجابة عن التساؤلات المطروحة حول تحديد علمي موضوعي دقيق للدلالة وطرق ضبطها..

4 ـ النظرية السياقية:

(1) د.أحمد مختار عمر، علم الدلالة، ص 65.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت