فهرس الكتاب
أما المحدثون فقد وسعوا من دائرة الجدل اللغوي حول مسألة الترادف، وساق كل فريق دلائل تثبت أو تنكر وجود الترادف في اللغة الإنسانية كلها، فقال المثبتون أنه لا خلاف في وجود الترادف بأقسامه: (المتقارب دلاليًا ـ شبه الترادف ـ الترجمة ـ التفسير) [1] وإنما الخلاف في وجود الترادف الكامل بين لفظين أو أكثر ذلك أن هذا النوع يقتضي التطابق التام بين المكونات الأساسية لجميع الألفاظ التي تبدو مترادفة فضلًا عن التناظر التام بين سماتها الدلالية، أما المنكرون فقد استندوا على نفي الترادف، لكون الاختلاف الفونولوجي بين الألفاظ يقتضي اختلافًا في المعنى [2] ويبدو أن ما قدمه المثبتون من العلل ومن التقسيم لأصناف الترادف في اللغة، هو أرجح وأقوى مما قدمه المنكرون، وذلك هو ما مال إليه الشافعي بعد معاينته لتلك العلاقات التي تربط الألفاظ ببعضها في القرآن الكريم، ولا يفوتنا أن نسجل كذلك إثارة الشافعي لمسألة المشترك اللفظي في لسان العرب ففي تفسيره لقوله تعالى في حق نبيه الكريم:"وأزواجه أمهاتهم" [3] حيث يقول:"مثل ما وصفت: من اتساع لسان العرب وأن الكلمة الواحدة تجمع معان مختلفة" [4] وبذلك غدا الشافعي بما خطه من القواعد ووضعه من السنن، مصدر إلهام لجميع علماء الأصول، بحيث اتخذت"رسالته"كأساس لأي استنباط دلالي من القرآن الكريم، والحديث الشريف، وغدت أبوابها معروفة لدى علماء الدين الذين عكفوا عليها شرحًا وتمحيصًا. يقول الدكتور سامي النشار:"واستمرت رسالة الشافعي سنوات طويلة تسيطر على المناهج الأصولية في العالم الإسلامي. ولم يبدأ التحقيق والتمحيص فيها إلا بعد أكثر من قرن حين بدأ الإمام محمد بن عبد الله أبو بكر الصيرفي (320هـ ـ 932) يضع شرحه عليها."
(1) د.أحمد مختار عمر، انظر علم الدلالة، ص 220-221-223.
(2) المرجع السابق، ص 224.
(3) سورة الأحزاب، الآية 06.
(4) أحكام القرآن، ص 167.