فهرس الكتاب
إن الجاحظ في علم البلاغة والجمال، يضاهي مكانة الشافعي في علم أصول الفقه، فهو أول من فتق أبواب البيان، وأبان عن مكامن اللغة العربية الجمالية، آخذًا في ذلك جمع الصور اللفظية وغير اللفظية التي تحتضن الفكر و تعبر عن الدلالات والمعاني المختلفة. كما عكف على الدراسة الصوتية للحرف واللفظ لكون ذلك يفضي إلى استقامة البيان وحصول الإبلاغ، بحيث يراعي فيه حسن التأليف بين الحرف والكلمة، وقد أشار الجاحظ في هذا المجال إلى تلك الأمراض النطقية التي تؤدي إلى اختلال في آلة التعبير خاصة في مخارج الأصوات وعدّ منها الكثير [1] . وقد أضحى ذلك في العصر الحديث فرعًا من اللسانيات وقد التمس له العلماء أسبابًا فوجدوها عصبية نفسية تؤدي إلى اضطراب أساسي في بنى اللغة وأطلقوا على ذلك المبحث العصب السني (Neurolinguistique) [2] تناول الجاحظ في كتابيه:"البيان والتبيين"وكتاب"الحيوان". مباحث لها ارتباط وثيق بموضوع الدلالة، وعلاقتها بطرق تأديتها فلقد قسم العلاقة إلى أصناف، كما وقف على وظائف الكلام، لأن ذلك هو جوهر البيان وفي إطاره تناول الدلالة السياقية، واختيار المكان والمقام الملائمين لموقع اللفظ والمعنى، كما خاض الجاحظ في ذلك الجدل الذي دار حول نشأة اللغة: أتوفيقية هي أم اصطلاحية توفيقية؟ ... تلك بعض الأبحاث التي تناولها الجاحظ ضمن مباحث البيان، نحاول أن نعبر إليها بغية اقتناص ما نستطيع أن نعثر عليه من مفاهيم لسانية، ودلالية ...
أ ـ حسن التأليف بين الحروف والألفاظ:
إن دراسة أصوات اللغة في الدرس اللساني الحديث تتم ضمن نمطين اثنين..
(1) من هذه الآفات التي تصيب النطق: التعتع، التمتمة ـ الحبسة ـ العقدة ـ العقلة ... انظر البيان والتبيين باب عيوب البيان، ص 27.
(2) د.ميشال زكريا، انظر ذلك في كتاب:"الألسنة، علم اللغة الحديث ـ ص 70."