فهرس الكتاب

الصفحة 176 من 348

تناول ابن جني في كتابه الخصائص عرض ثلاث علائق متصلة هي: العلاقة بين اللفظ والمعنى، والعلاقة بين اللفظ واللفظ، ثم العلاقة بين الحروف ببعضها. وأفرد لذلك أبوابًا من ذلك"باب في تلاقي المعاني على اختلاف الأصول والمباني"حيث عرض فيه لاشتراك الأسماء في المعنى الواحد ورده لوجود تقارب دلالي بين تلك الأسماء، يقول في مستهل هذا الباب:"هذا فصل من العربية حسن كثير المنفعة، قوي الدلالة على شرف هذه اللغة، وذلك أن تجد للمعنى الواحد أسماء كثيرة، فتبحث عن أصل كل اسم منها فتجده مفضي المعنى إلى معنى صاحبه"وفي ذلك إشارة إلى وقوع الترادف في اللغة الذي كان ينكره بعض علماء اللغة في عصر ابن جني ومنهم أستاذه أبو علي الفارسي. وما اشتهر به صاحب الخصائص هو إبراز لظاهرة لغوية تتمثل في تقارب الدلالات لتقارب حروف الألفاظ، وهو ما سماه"تصاقب الألفاظ لتصاقب المعاني"سجل فيه أن مخارج حروف اللفظ التي تقترب من مخارج حروف لفظ آخر، هما متقاربان دلاليًا لتقاربهما فنولوجيًا وتلك خاصية من خصائص اللغة العربية. وهذه الملاحظة تنم عن دقة وعمق رؤية ابن جني لنظام اللغة ففي شرحه للفظ"أزا"الوارد ذكره في قوله تعالى:"ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزًا" [1] يقول ابن جني في قوله تعالى:"تأزهم أزًا": أي تزعجهم وتقلقهم، فهذا في معنى تهزهم هزًا والهمزة أخت الهاء، فتقارب اللفظان لتقارب المعنيين، وكأنهم خصوا هذا المعنى بالهمزة لأنها أقوى من الهاء، وهذا المعنى أعظم في النفوس من الهز، لأنك قد تهز مالا بال له، كالجذع وساق الشجرة، ونحو ذلك" [2] . كما قدم ابن جني تطبيقات أخرى مست ألفاظًا وجد بين حروفها اشتراكًا في الصفات الفنولوجية، فأفضى ذلك إلى تقاربها في الدلالة من ذلك المقابلة بين فعل (ج ع د) والفعل (ش ح ط) ."

(1) سورة مريم، الآية 83.

(2) الخصائص، ج2، ص146.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت