فهرس الكتاب

الصفحة 200 من 348

ج-العملية الدلالية: يشير ابن سينا، في رصده لآليات الفعل الدلالي، إلى تلك القدرة التي أوتيها الإنسان المتكلم، بحيث مكنته من نقل المفاهيم التي التقطها من العالم الخارجي إلى نفسه وقد انتقل معها من الحس إلى التجريد ويطالعنا في هذا الموضوع الدرس الدلالي بأبحاث مستفيضة حول معاينة وجود العوالم الدلالية، ومن ضمن المواضع التي أظهرها العلماء مواضع أربع وهي: الأفكار و الأحداث و الأوضاع و المفاهيم. (ففريجه) Frege ذهب إلى أن تموضع العوالم الدلالية هو عالم المفاهيم لأنها الوسيط الذي يربط الأفكار والأحداث والأوضاع: الأذهان تمسك بالمفاهيم والكلمات تعبّر عنها والأشياء يحال عليها بواسطتها" [1] . فأين يرى ابن سينا تموضع العوالم الدلالية؟ يقول في ذلك:"إن الإنسان قد أوتي قوة حسية ترتسم فيها صور الأمور الخارجية وتتأدى عنها إلى النفس فترتسم فيها ارتسامًا ثانيًا ثابتًا، وإن غاب عن الحس. فللأمور وجود في الأعيان ووجود في النفس يكوّن آثارًا في النفس. ولمّا كانت الطبيعة الإنسانية محتاجة إلى المحاورة لاضطرارها إلى المشاركة والمجاورة انبعثت إلى اختراع شيء يتوصل به إلى ذلك ( ... ) فمالت الطبيعة إلى استعمال الصوت ووفقت من عند الخالق بآلات تقطيع الحروف وتركيبها معًا، ليدل بها على ما في النفس من أثر. ثم وقع اضطرار ثان إلى إعلام الغائبين من الموجودين في الزمان أو من المستقبلين إعلامًا بتدوين ما علم ... فاحتيج إلى ضرب آخر من الإعلام غير النطق، فاخترعت أشكال الكتابة" [2] . إن هذا النص يحمل دلالة علمية عميقة، يقف فيه ابن سينا على تاريخ وجود الدلالة وأشكالها المقولية صوتًا وكتابة.."

(1) اللسانيات واللغة العربية -ص381. د.عبد القادر الفاسي الفهري.

(2) الشفاء (العبارة) ، ص6.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت