فهرس الكتاب
فقد جعل الإنسان ذاته، مستودع للبنيات الدلالية التي عكست صورًا من العالم الخارجي إلى النفس، ولكنها ليست نفس الصور وإنّما أخذَت شكلًا ثانيًا ليس هو شكلها الأوّل ولكنّه شكل ثابت لا يتغيّر من هنا تنسج العمليات الدلالية -بحسب ابن سينا- حيث تأخذ الطابع التجريدي البحث في غياب صور عالم الأعيان. وتحتاج عندئذ لأنماط مقولية بعد المواضعة عليها وهنا يشير ابن سينا إلى الطابع الاجتماعي للغة فلولا الحاجة الاجتماعية للمحاورة التي اقتضاها المجتمع البشري لاستغنى عن اللغة، فاللغة حاملة للقيم الاجتماعية وهي وعاء لكلّ ما يبقي الصلات الاجتماعية راسخة. ولكن ابن سينا يميل إلى القول بأن اللغة إلهام من عند الله تعالى الذي وهب الإنسان (آلات) لإنتاج تقاطيع صوتية اصطلح عليها، وحمّلها مدلولات متعلقة بها، وكان الصوت اللغوي يقوم بالعملية الدلالية، التي هي جوهر فعل الإبلاغ والتواصل، في حيّز زماني ومكان ضيّق، ولما احتاج الإنسان إلى نقل معارفه إلى الغائبين من الموجودين، أو ما كان في حكمهم من الآتين مستقبلًا، كانت الكتابة شكلًا متطورًا. وقد ميّز في الدرس اللساني الحديث العالم اللغوي (رومان جاكسون) بين اللغة المنطوقة واللغة المكتوبة وفي إطار ذلك قابل بين الصوت والحرف، والمستمع والقارئ ووقف على فعالية الكلام وفعالية الكتابة وخلص إلى أن الكتابة ستبقى الأداة الأكثر فعالية في الخطاب التواصلي والإبلاغي كونها تضمن له استمرارية كبرى ومنفذًا إلى المتلقين مهما تباعد المكان والزمان. وأن الكتابة تفضل الكلام المنطوق، في أن المستمع بعد أن يقوم بتركيب ثان لسلسلة الكلام المنطوق قد يحصل له بعض المعنى لأنه ستكون عندئذ عناصر الكلام قد تلاشت [1] .