فهرس الكتاب

الصفحة 204 من 348

أ-العلامة اللسانية (علاقة اللفظ بالمعنى) : هناك -كما تشير إليه الأسلوبية- عمليتان تتمان مع كل تلفظ أو إنشاء كلامي، إحداهما سابقة على الأخرى فأما الأولى فتتمثل في انتظام المعاني في الذهن ويصحبها حسن اختيار الدلالات المناسبة للموقف الكلامي، أمّا الثانية فتتمثل في انتظام المعاني في ألفاظ وتراكيب بأنساق مختلفة يحدّد الجرجاني بصورة دقيقة كيفية اختيار المتكلم للمعاني والألفاظ أثناء الموقف الكلامي. فيقول:"إن الألفاظ إذا كانت أوعية للمعاني فإنها لا محالة تتبع المعاني في مواقعها، فإذا وجب لمعنى أن يكون أولًا في النفس وجب للفظ الدال عليه أن يكون مثله أولًا في النطق" [1] وما يلاحظ أن الجرجاني يعطي الأسبقية للمعاني في الوجود النفسي والألفاظ تابعة لها في الواقع الكلامي، وهذا ما يفسّر لا نهائية المعاني التي أقرّها علماء الدلالة المحدثون مقابلة نهائية الألفاظ، واستخلصوا أن المتكلم يلجأ، لذلك -في غالب الأحيان- إلى توظيف الانزياح الدلالي لسدّ ثغرة دلالية لا يستطيع المعجم ملأها وهو"احتيال من الإنسان على اللغة وعلى نفسه لسدّ قصوره وقصورها معًا، لأن الإنسان عاجز عن الإحاطة باللغة وطرائقها، مثلما هي عاجزة عن نقل كل ما في نفسه" [2] . ويضع الجرجاني تعليلًا منطقيًا لأسبقية المعاني على الألفاظ مستندًا على معيار التغيّر الذي يطرأ على المعنى دون اللفظ وهذا ما يؤكد على اعتباطية الدليل اللساني الذي يعطي للغة مرونتها في ملاءمة الأوضاع المختلفة ومسايرة الأحوال المتغيرة، فلو كان اللفظ له ارتباط طبيعي بدلالته لما وسع اللغة أن تتميّز بطابعها الاجتماعي حيث تماشِي المجتمع في تطوراته النفسية والعلمية.

(1) دلائل الإعجاز،ص68.

(2) نظرية النقد العربي، وتطورها إلى عصرنا -ص202، د.محي الدين صبحي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت